جاء الاتفاق الأميركي- الپولندي على تمركز القوات الأميركية العاملة في أوروبا على الأراضي الپولندية وسحبها من الأراضي الألمانية ليعيد تشكيل خارطة مراكز الثقل والتموضع العسكري الاميركي في اوروبا وفق رؤية استراتيجية لسياسات الدفاع وإدارة الصراعات المسلحة في العالم عنوانها «الاتجاه شرقا» تتبناها واشنطن في اطار منظومة حلف شمال الأطلسي «الناتو».
فبعد ان كانت العاصمة الپولندية (وارسو) هي المقر الاول لحلف يحمل ذات الاسم «حلف وارسو» في مواجهة حلف «الناتو» في فترة الحرب الباردة، تغيرت الخارطة العالمية لتصبح وارسو الآن هي القاعدة المتقدمة لحلف شمال الأطلنطي ومستقرا لما يربو على عشرين الف مقاتل أميركي.
ومنذ العام 2016 دأبت الولايات المتحدة على اتباع أسلوب إعادة التموضع الروتيني النشط لقواتها العاملة في أوروبا ضمن حلف شمال الأطلسي كبديل عن اسلوب التمركز الدائم.
ويقول المراقبون ان اسلوب اعادة التموضع الروتيني الذي بدأته واشنطن قبل اربعة اعوام كان بمنزلة عملية استكشاف لمناطق جديدة في اوروبا يمكن للجيوش (الأميركية/ الاطلسية) التموضع فيها، وكان الخيار هو الاتجاه شرقا صوب پولندا كقاعدة متقدمة في مواجهة ما تبقى من قوى المعسكر الشرقي الدائر حتى الآن في فلك نفوذ وهيمنة روسيا (وريثة الاتحاد السوفييتي السابق).
ويقضي الاتفاق الپولندي- الأميركي المبرم مطلع اغسطس الجاري بنقل 12 الف جندي أميركي من المانيا الى الاراضي الپولندية التي تتواجد فيها حاليا قوات أميركية قوامها اربعة آلاف رجل زادتهم واشنطن في نهاية العام الماضي الى خمسة الاف وخمسمائة مقاتل.
ويرى المحللون السياسيون انه اذا كان قرار نقل القوات الأميركية من المانيا الى پولندا قد تم اتخاذه، فإن توقيتات تنفيذه لم تبد بعد في الافق حيث انها رهن بسرعة واشنطن في اتمام التجهيزات اللوجيستية الخاصة باقامة واعاشة قواتها على الاراضي الپولندية والتي ستقترب من 20 الف مقاتل، وكذلك التجهيزات الخاصة بايواء وتشغيل اسراب الطائرات الأميركية التي تعمل بدون طيار والمروحيات القتالية والتشكيلات الأميركية المقاتلة المدرعة ومراكز اعاشة وتدريب قوات العمليات الخاصة الأميركية والكوماندوز وكذلك الاتفاق مع الجانب الپولندي على اجراءات تأمين المنشآت العسكرية الأميركية بما لا يتعارض مع اعتبارات السيادة الوطنية الپولندية.
وبحسب مجلة «ديفنس نيوز» الأميركية يأتي القرار الاميركي بنقل التموضع العسكري الى پولندا انعكاسا لخيبة أمل واشنطن في وفاء ألمانيا بمتطلبات التمويل التي اقترحتها القيادة العسكرية الأميركية للابقاء على القوات الأميركية متمركزة في المانيا التي اعتبرت متطلبات التمويل الأميركية مبالغا فيها، ويصل قوام القوات الأميركية المتمركزة على الاراضي الالمانية في الوقت الراهن الى اكثر من 36 الف مقاتل.
ويقول الخبراء ان نقل هؤلاء الجنود من المانيا الى بلدان اخرى قد يستغرق عدة اعوام، وتتمركز هذه القوات بصورة مستقرة في سلسلة قواعد توجد في مدينة شتوتغارت الالمانية منذ العام 1967، حيث كان يقع المقر القديم لقيادة قوات حلف شمال الاطلسي وفي اطار هيمنة من جنرالات الجيش الاميركي على انشطة الحلف الذي انتقلت قيادته قبل عامين الى مقر جديد تكلف بناؤه مليار دولار في مدينة مونز التاريخية جنوب غرب بلجيكا وهي مدينة يعود تاريخ انشائها الى العام 1515 وتشتهر بقلاعها المنيعة التي شهدت وقائع حروب الاقتتال الاوروبية الطاحنة ما قبل عصر النهضة.
ويقول البريجادير جنرال ميريان جيسيكا نائب مدير قيادة قوات الدفاع الصاروخي الأميركية في اوروبا ان اتفاق نقل القوات الأميركية الى پولندا يتجاوز في اهميته اعتبارات التمويل واتفاقاته مع المانيا، فنقل القوات الأميركية الى پولندا في حد ذاته يعزز وضع الولايات المتحدة وحلف شمال الاطلنطي من منظور الجغرافيا السياسية على خارطة الأمن الاوروبي، ويعزز ايضا مستوى الأمن الاوروبي من خلال نقل القوات الأميركية الى نقاط متقدمة على الخارطة الاوروبية باتجاه الشرق في مواجهة القوة الروسية ذات النفوذ المتعاظم.
من جانبه، قال مارسيز بلاسكزاك وزير الدفاع في پولندا ان التعاون العسكري مع الولايات المتحدة لن يقف فقط عن حد قبول پولندا باستقبال قوات أميركية اضافية الى اراضيها، بل سيتطور قريبا الى ابرام اتفاق نهائي بين وارسو وواشنطن للتواجد العسكري المستدام على الاراضي الپولندية، كما اشار وزير الدفاع الپولندي في مقابلة متلفزة مع التلفزيون الپولندي الى ان التعاون العسكري البولندي- الأميركي واحتضان بلاده لقوات أميركية اضافية كاملة التشكيل على اراضيها من شأنه تعزيز مكانة پولندا على خارطة السياسة العالمية كقوة وازنة في حلف شمال الاطلنطي.
ووفقا للمصادر الأميركية فقد تم الاتفاق بصورة بين پولندا والولايات المتحدة على ان تكون منطقة «بوزنان» الپولندية مقرا لقيادة القوات الأميركية هناك، وان تقام مراكز التدريب الخاصة بالقوات الأميركية في منطقة «دراوسكو بروموسكي» القريبة من الحدود الپولندية- الالمانية وهي المنطقة ذاتها التي ستقام عليها كذلك مراكز ايواء كتائب القوات الخاصة الأميركية ومركز ادارة عمليات لواء جوي اميركي مقاتل وكذلك ستقام عليها ثكنات ايواء لواء مدرع مقاتل يتبع الولايات المتحدة.
وأعلنت القيادة العسكرية الأميركية سحب 2000 من القوات الأميركية من قوة قيادة قوات الاتحاد الاوروبي في شتوتغارت بالمانيا ونقلهم الى بلجيكا وايطاليا تمهيدا لنقلهم الى قواعدهم الجديدة في پولندا والجاري تجهيزها واستكمال استحكاماتها حاليا، وقال مارك اسبر وزير الدفاع الاميركي مؤخرا ان هذا الاجراء يأتي في اطار تعديل هياكل الانتشارالعسكري الاميركي في مناطق العمل الاوروبية في حلف الناتو.
وبالإضافة الى ذلك، سيتم نقل لواء المقاتلات «اف - 16» من قواعده في المانيا الى قواعد بديلة في ايطاليا، وكذلك نقل افراد الفرقة المدرعة الثانية الأميركية من الاراضي الالمانية واستعادتهم الى الاراضي الأميركية تمهيدا لاعادة نشرهم في منطقة البحر الاسود، كما قررت الولايات المتحدة استبقاء قوة ابرار جوي وخدمات جوية معاونة قوامها 2500 مقاتل في قواعد على الاراضي البريطانية بعد ان كان مخطط لهم في السابق الانتقال الى المانيا.
ويقدر خبراء الپنتاغون فاتورة القيام بتلك الاجراءات بما لا يقل عن 10 مليارات دولار لاتمام تلك العملية المعقدة لنقل المعدات والقوات والاطقم المعاونة وتطوير منشآت عسكرية متهالكة في پولندا لاستضافتهم يعود تاريخ بنائها الى حقبة الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية في ستينيات القرن الماضي وهو التطوير الذي يقدر الخبراء ان يتم الانتهاء منه بحلول نهاية العام القادم 2021.
ويقول القائمون على عملية نقل القوات الأميركية انها تتم وفق برنامج زمني مضغوط يستغرق 12 شهرا ويعتبرون ذلك تحديا مرهقا، بل منهم من يعتبر ان نقل القوات الأميركية التي ألفت التمركز في المانيا منذ العام 1967 يعادل في كلفته المالية ومشقته التنفيذية تحريك قوات أميركية في خمسين دولة اوروبية وشرق اوسطية، لكن مخططي الاستراتيجيات في الپنتاغون يرون ان تحريك القوات الأميركية ونقلها الى مراكز متقدمة في شرق اوروبا سيفوق في قيمته الجيوستراتيجية اية تكلفة مالية او اعباء تنفيذية لانه سيخدم استراتيجية الأمن الاوروبي- الاميركي المشترك.