من الدعائم الأصيلة التي قام عليها الاسلام الوحدة بين المسلمين بعد أن قضى على العنصرية القبلية، والنعرة الممقوتة، إذ نادى بأن «كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» فكانت المساواة هي أساس الوحدة بين أفراد المجتمع المسلم وتبعا لها نشأت المؤاخاة التي أثمرت خيرا وقوة فادمج الفرد المسلم في جماعته الكبرى عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب».
أي ان اجتماع المسلمين على ما فيه خيرهم وصلاحهم رحمة من الله تعالى سبقت اليهم، وفي المقابل نرى أن تفرقهم شيعا وأحزابا نقمة جلبوها على أنفسهم وعذابا.
وتتوالى الارشادات النبوية الكريمة داعية الى وحدة الكلمة بمثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني: «من فرق فليس منا» وقوله: «يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» أي ان الذي ينفرد ويبعد عن جماعة يعرض نفسه للهلاك والضياع شأنه في ذلك شأن هذه القاصية عن قطيعها لا تلبث أن يفترسها الذئب.
لذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوع في دواعي الاختلاف فقال فيما رواه البخاري: «لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» ويعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نتحد لتقوى شوكتنا بقوله فيما رواه أحمد في مسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنان خير من واحد وثلاثة خير من اثنين وأربعة خير من ثلاثة فعليكم بالجماعة فإن الله تعالى لن يجمع أمة إلا على هدى»، وقد أرشدنا صلى الله عليه وسلم الى أن استقرار الحق والصواب يكون في الفئة التي تزيد على غيرها ولو لواحد، فالحق دائما يكون في جانب الكثرة المتحدة، والمؤمنون اذا اتحدت كلمتهم على الحق واذا تآزروا على الخير والبر صاروا قوة لا تهزم، وجبهة لا تقاوم، ووحدة يسودها الحب والتعاون، يؤيد ذلك ما رواه أحمد وابن ماجة بقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» فهم لفرط التحامهم وقوة ارتباطهم نفس واحدة في أجساد متفرقة، فإذا ألم بواحد منهم ما يؤلم تأثر لألمه الجميع.
لذا كانت الدعوة القرآنية قوية في الحث على الاتحاد والتحذير من الافتراق بمثل قوله تعالى في سورة آل عمران: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقوله عز وجل في سورة الأنفال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)، فالاعتصام بحبل الله عصمة من التشتت والتمزق والالتجاء اليه فيه النجاة والأمان، وإذا كان من معجزات الاسلام ان نحوّل توزع قوة العرب وتشتتهم وتفرق أهوائهم الى وحدة وقوة وتآلف ومودة ومحبة تسود قلوبهم، وهذا هو سر الدعوة الخاتمة.