مشهد عظيم
يقول سبحانه وتعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)، الله عز وجل مازال يرقق هذه القلوب القاسية، يذكّر الإنسان بمشاهد يوم القيامة، هناك لن يُسأل أحد عن أحد، الكل سيتحمل بذاته ذنبه، نعم هناك سيقول الإنسان نفسي، مشهد عجيب يقول الله عز وجل: سيأتي هذا الإنسان المحمّل بالذنوب، الوزر هو لغة الجيل العظيم، وشبه به الذنب لثقله، فهذا الإنسان يحمل ثقل هذه الذنوب والمعاصي، كأنه يوم القيامة، كما يقول الله عز وجل، يمشي وهو يحمل هذه الأوزار الثقيلة على ظهره يستنجد بمن يحمل معه، فلا مجيب له، لا من أمه ولا من أبيه ولا من صاحبته ولا من بنيه، الكل يفرّ بنفسه، يقول سبحانه وتعالى: (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)، إن هذا الكلام أيها الرسول الكريم إنما تذكرة لمن ألقى السمع وهو شهيد، لمن عرف الحق فاتبعه، لا من عرف الحق فأنكره، يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، هذه الآيات القرآنية لا ينتفع بها إلا أهل الإيمان، فإنه لا يزيد الظالمين إلا تبارا، لكن أهل الإيمان الله عز وجعل جعله لقلوبهم شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة وبشرى.
تزكية النفس
(وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ)، لا يزال الله عز وجل يذكِّرنا بغناه، إذا وحدت الله وتطهرت من الشرك فإنما تزكي نفسك وهذه التزكية وهذا الخير وهذا النماء لا يعود إلا عليك، وإلا فإن الله غني عن طاعتك، غني عن معصيتك، يقول سبحانه وتعالى: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، هذه الحقيقة التي يعرفها أهل الإيمان، فإذا تذكروها بإذن الله استبشروا، من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت، هذه بشارة لأهل الإيمان، الله يجعلنا منهم، اللهم اجعل خير أيامنا يوم نلقاك، قال سبحانه وتعالى: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)، مصير الخلائق كلهم الى الله فيجازي كلا بحسب علمه، ويجازي كلا بعلمه عز وجل، أما أهل الإيمان فيجازيهم بفضله، وأما أهل الجحود والكفران فيجازيهم سبحانه وتعالى بعدله.
أهل الإيمان
يقول الله سبحانه وتعالى ضاربا لأهل الإيمان الأمثال: (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ)، كيف يستوون؟ لا يمكن، هذا الأعمى الذي لا يهتدي لطريق وهذا البصير الذي دخلت عليه (ال) التي تفيد العهد، اي بصير بكل ما يفعل، مختار عالم أين يضع قدميه اي طريق يسلكه، فإنه يمشي على هذا الطريق المستقيم القويم، لا يستوي هذا والأعمى الذي يتخبط لا يعلم أين يولي وجهه، يقول سبحانه وتعالى: (وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ)، إن أهل الإيمان رأوا نور الله على بصيرة فاتبعوا نور الله على بصيرة من الله فأظلهم الله عز وجل بظله يوم لا ظل إلا ظله، أما أهل الكفران كما قال عز وجل: (أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)، أما أهل الجحود والكفران فإنهم قد عموا وصموا عن الحق، ولذلك عاشوا في الظلمات ومآلهم الى الظلمات وإلى النار والحر، نسأل الله العافية.
جحود الكافرين
يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ)، الله عز وجل يقول: المؤمن هو الحي في هذه الحياة الدنيا والآخرة، الذي يحيي الله عز وجل قلبه بالإيمان، أما الكافر فإنه ميت وإن مشى، ميت وإن تحرك وإن حيا في هذه الدنيا فإنه بموت قلبه يموت، يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ)، يهون على نبيه الكريم جحود هؤلاء الكافرين، يقول إن الله سبحانه وتعالى لو علم في قلوبهم خيرا لأسمعهم، ولكنهم لما اختاروا العمى واختاروا الضلال أوكلهم الحق الى ما اختاروه وما أوكلوا أنفسهم إليه، الله عز وجل يقول إنك لن تسمعهم بهذا الحق كأنك تكلم من في القبور فإنهم لا يعودون للعمل فلن ينتفعوا أبدا بما يسمعون، يقول سبحانه وتعالى: (إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ )، وظيفة نبينا صلى الله عليه وسلم النذارة والبشارة إنما النذارة لأهل الكفران والبشارة لأهل الإيمان.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء