حتى يوم الأربعاء 16/11 كانت مجموعة الشعبي قد نجحت في سحب التيار الإسلامي الناشط في الساحة السياسية وتوجيهه ليقف في المربع الذي تحدده له تلك المجموعة، حينما نقلت قاعة عبدالله السالم الى خارج البرلمان في الشوارع والسكك، ولما لم تحقق هذه الخطوة الأثر المطلوب لأكثر من سنة اتجهت هذه المجموعة نحو مبنى القاعة نفسه وعبثت به، استكمالا لأسلوب تخريب الجلسات منذ شهور، والسبب في وصولهم الى هذه الجرأة هو صبر الرأي العام على هذه التصرفات، وقد نفد هذا الصبر في ذلك الأربعاء فكانت ردة الفعل الغاضبة في الصحافة والديوانيات وفي المسيرات الشعبية.
لقد كان القذافي هو أول عربي يمارس طريقة «الجماهير هي التي تحكم»، لم يكن يعترف بالهرم الإداري للدولة، كان يقول «اللجان الشعبية هي اللي تقرر كل شيء» - سيدة قراراتها - هذا أمين للخارجية وذاك أمين للتعليم..الخ، وهو كلام مأخوذ خيره، فالقذافي كان الزعيم الأوحد، هذا الأسلوب تسلل إلينا في الكويت بشكل تدريجي منذ أن أطلق البعض تلك العبارة العابثة «المجلس سيد قراراته»، فرأينا الشيء وضده، وقائمة طويلة بالمتناقضات حتى اللجوء الى المحكمة الدستورية جائز تارة وغير جائز تارة أخرى، ثم تعطلت قاعدة «سيد قراراته» فيما نراه الآن من عدم الاحتكام الى التصويت، والشيء نفسه بالنسبة للهرم الإداري، فقد انتقلت صلاحيات الوزراء الى اللجان الشعبية/ البرلمانية، فهي التي تقرر زيادات الرواتب وتلغي قرارات مؤسسة البترول بدراساتها الفنية وتفرض تحديد مستوى انتاج النفط غير عابئة بالحقائق الفنية، حيث يؤدي خفض الإنتاج الى تسرب البترول من المكامن النفطية عندنا الى الدول المجاورة (لكن... من تحاجي!).
نعم، الى يوم الأربعاء 16/11 نجحت مجموعة الشعبي في جر الإسلاميين أو بعضهم الى المسار الذي حددوه لهم الى أن طفح الكيل بأنصارهم فكتبوا ينددون بالانفلات والغلو وأصدروا بيانات ترفض هذه التصرفات التي شجبتها أيضا سائر التيارات السياسية والأقلام المستقلة - رغم رفضها لممارسات معينة في الجانب الحكومي - إلا أن حجم الشطط والغلو الذي يمارس منذ سنة فقع مرارة الصبر لدى الأغلبية التي لم تعد صامتة.
كذلك، نجحت مجموعة الشعبي في احراج القبائل أو بعض من أفرادها عبر نفوذها في مسائل التوظيف حتى وقع تهور الأربعاء 16/11 فتبرأت القبائل من الغلو وتوجيه البلاد نحو الفوضى والعصيان المرفوض، ومن يلاحظ عبارة «معصي» التي يرددها النائب مسلم البراك يعرف كم تكشف تلك العبارة من تحريض على العصيان.
المناصب ليست خالدة لأحد، لا للنائب ولا للوزير ولا لرئيس الحكومة في بلد علق على قصر الحكم شعارا يراه الشعب ليل نهار منذ عقود، وسوف يرحل هذا النائب وذاك الرئيس وتبقى الممارسة النبيلة والمواقف البعيدة عن التذبذب في العمل النيابي، مواقف إما أن تثير التندر والسخرية أو «الإعجاب والاحترام»، ولكم الاختيار.
كلمة أخيرة: دور رجال الأمن الكويتي - مقارنة بالأميركي - في التعامل مع المظاهرات يستحق التقدير والاحترام، شكرا لكم فردا فردا، فقد ربحتم الجولة بالصبر والحزم معا، وحفظتم عهد الدولة التي هي مظلة كل مواطن وبغير هيبتها يضطر الناس - كما في مصر - الى المبيت ليلا خارج بيوتهم لحراستها من اللصوص.
جزاكم الله خيرا عن بلدكم، وعن أميركم، وعن كل فرد فيها من مواطنين ووافدين.
[email protected]