Note: English translation is not 100% accurate
الإمام جعفر الصادق.. عقيدة وعمل
6 يناير 2012
المصدر : الأنباء
في المدينة المنورة كان مولد الإمام جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي في (8 رمضان 83هـ)، وفي وسط هذه الأجواء المعبقة بأريج النبوة نشأ جعفر الصادق نشأة كريمة في بيت علم ودين، وأخذ العلم عن أبيه محمد الباقر، وجده لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، المتوفى سنة (108هـ) أحد فقهاء المدينة المشهود لهم بسعة العلم والفقه.
كان الإمام جعفر الصادق من الأئمة المجتهدين الذين يستخرجون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، غير تابعين لأحد في اجتهادهم، وكان صاحب منهج أصولي لاستنباط الأحكام، ومن مبادئه في التشريع أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد فيها نهي، وكان لا يأخذ بالقياس، لأنه رأي، وإنما يرجع إلى ما ورد في الأصل من الكتاب والسنة.
تتلمذ على جعفر الصادق كثير من الأئمة الكبار، في مقدمتهم أبو حنيفة النعمان المتوفى سنة (150هـ)، ومالك بن أنس المتوفى (179هـ)، وابنه موسى الكاظم المتوفى (183هـ)، وحدث عنه كثيرون من أئمة الحديث، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن إسحاق، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ويحيى القطان، وآخرون.
ولجعفر الصادق حكم وأدعية أشبه بكلام النبوة، خرجت من نفس كريمة، وقلب مؤمن عظيم الإيمان، ورد كثير منها في كتب الشيعة، وروى بعضها الشهرستاني في الملل والنحل، والذهبي في سير أعلام النبلاء، من ذلك وصيته لابنه موسى، يقول فيها: «يا بني، من قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه، ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيها. يا بني، كن للقرآن تاليا، وللسلام فاشيا، وللمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، ولمن قطعك واصلا، ولمن سكت عنك مبتدئا».
مؤلفاته رضي الله عنه
وينسب إلى الإمام الصادق عدد من الكتب لم يصل إلينا منها شيء، مثل: «كتاب الرد على القدرية»، وكتاب «الرد على الخوارج»، وكتاب «الرد على الغلاة من الروافض»، إضافة إلى بعض الرسائل التي كان يمليها على تلاميذه، ومنها وصاياه إلى ابنه موسى الكاظم، ورسالة في شرائع الدين، ورسالة إلى أصحاب الرأي والقياس.
كان الإمام جعفر من أعظم الشخصيات ذوي الأثر في عصره وبعد عصره، وجمع إلى سعة العلم صفات كريمة اشتهر بها الأئمة من أهل البيت، كالحلم والسماحة والجلد والصبر، فجمع إلى العلم العمل، وإلى عراقة الأصل كريم السجايا، وظل مقيما في المدينة ملجأ للناس وملاذا للفتيا، ومرجعا لطلاب العلم حتى توفي في شوال من سنة (148هـ)، ودفن في البقيع مع أبيه وجده.
معرفته بالكيمياء
كان لجعفر الصادق معرفة واهتمام بالكيمياء، واشتغل بها وبغيرها من العلوم الكونية الأخرى كالفلك وعلم الحيوان وعلم الأرض، ولا تذكر المصادر التاريخية عمن تلقى جعفر هذه العلوم، لكنها تذكر أن جابر بن حيان عالم الكيمياء المعروف تتلمذ عليه، فيقول ابن خلكان في وفيات الأعيان: «.. وله كلام في صناعة الكيمياء.. وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي قد ألف كتابا يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق»، ويذكر حاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون» اسم جابر بن حيان مصحوبا بعبارة تلميذ جعفر الصادق، ووضع محمد يحيى الهاشمي كتابا عن أثر جعفر الصادق في هذا الميدان بعنوان «الإمام الصادق ملهم الكيمياء».
ابتعاده عن السياسة
عاش جعفر الصادق بعيدا عن غمار السياسة والدخول في متاعبها والاصطلاء بنارها، وهذا ما يفسر أنه ظل بعيدا عن اضطهاد الأمويين والعباسيين لبعض رجال آل البيت، ممن تطلعت نفوسهم إلى منصب الخلافة وحاولوا نيلها بالقوة والسلاح، وعاش مكرما مبجلا على الرغم من شيوع الفتن والدسائس في عصره، ولم ينجرف إلى مناهضة الحكام حين حاول بعض الدعاة إغراءه، وإلى ذلك يشير الشهرستاني في الملل والنحل بقوله: «ما تعرض للإمامة قط، ولا نازع أحدا في الخلافة، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط».
وعلى الرغم من إعراضه عن تلك الحياة القلقة وركونه إلى ما هو أبقى وأخلد، فإن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي كان يتوجس منه خيفة لما رأى من التفاف الناس حوله وتقديرهم لعلمه ومكانته، ويبث من حوله العيون التي ترصد حركاته وسكناته، لكن الإمام الصادق كان بعيدا عن كل شبهة، لا هم له سوى العلم والعبادة.
والإمام جعفر ثقة عند أهل الحديث يقبلون حديثه، وثقه الشافعي ويحيى بن معين وغيرهما، ويصفه ابن حبان بقوله: «كان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا، يحتج بحديثه من غير رواية أولاده عنه»، وأخرج له مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وكان جعفر يجل الصحابة أجمعين ويرفض سب أبي بكر وعمر، فيروي سالم بن أبي حفصة، وهو راو صدوق، قال: سألت أبا جعفر وابنه جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: يا سالم تولهما وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى. ثم قال جعفر يا سالم: أيسب الرجل جده؟ أبوبكر جدي، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما، وأبرأ من عدوهما.
من أقواله رضي الله عنه
قال رضي الله عنه: لا تصحب خمسة:
الكذاب: فإنك منه على غرور، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد، ويبعد منك القريب.
والأحمق: فإنك لست منه على شيء، يريد أن ينفعك فيضرك.
والبخيل: فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه.
والجبان: فإنه يسلمك ويفر عند الشدة.
والفاسق: فإنه يبيعك بأكلة أو أقل منها، قيل: وما أقل منها؟ قال: الطمع فيها ثم لا ينالها.
وقد ورد: لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله.