Note: English translation is not 100% accurate
مواقف من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
عبقرية الرسول السياسية والحربية (1 ـ 3)
1 يونيو 2012
المصدر : الأنباء
حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته هي المثل الأعلى الذي يحتذيه كل مسلم، وهي على تقادم العهد بها، جديدة في كل عصر، توحي لكل فئة من فئات الأمة بما يبعثها نحو الخير، ويدفع بها الى ميادين الخلود، وإذا كانت ذكرى المولد النبوي الكريم حبيبة الى قلب كل مسلم، فإن هذه الذكرى أحب ما تكون الى قلب الداعية المسلم إذ يجدد فيها صلته بقائده الأعظم، ويراجع فيها حسابه معه، ويزيد فيها من إمعانه النظر بخطط الدعوة في مراحلها الأولى حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع أصولها ويوجه دفتها بما ينزل عليه من وحي، وما تهتدي اليه عبقريته من وجوه الحق ومسالك النصر.
وسنقصر حديثنا اليوم على ناحية واحدة من النواحي التي تهم الدعاة الى الله قادة وجنودا، وهي ناحية جديرة منا بالعناية والدرس، إذ يتوقف على فهمنا لها نجاح الدعوة في المواقف الحرجة الى حد كبير.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على ألا يواجه الأعداء جميعا في وقت واحد، فإذا تجمعوا لقتله حرص على التفريق فيما بينهم بكل الوسائل، حتى إذا أمكنته الفرصة بطش بأقواهم ثم بمن بعدهم حتى يتم له النصر، ولم يكن صلى الله عليه وسلم حين يريد الأمر فيحال بينه وبين ما يريد، تأخذه حمية المقاتل الذي يصر على ان ينتصر، بل كان يقدر الظروف المحيطة به، ويقارن بين ما يريد وبين ما يعرض له من فرصة، فإن وجدها أجدى عليه مما يريد عمل بها وأخر ما يريد الى وقت آخر.
وبذلك نجت الدعوة في حياته من كثير من المتاعب، وحال دون تألب الأعداء عليه جميعا إلا حين لم يستطع لذلك دفعا كما في غزوة الأحزاب، وأنزل الضربات المتتالية بأعداء الدعوة فريقا اثر فريق، وتنازل في مواقف الشدة عن بعض مظاهر القوة ليدفع شرا أو ليكسب من وراء ذلك نصرا واليكم الأمثلة على ذلك.
في المدينة مع اليهود لما استقر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته
بعد هجرته كان لا بد له من ان يستعد لنزال قريش وخوض الحرب معها، فما كانت قريش بالتي ترضى ان تكون للرسول في المدينة العزة والمنعة، وهي التي حرصت 13 عاما على مناصبة دعوته العداء، فكيف وقد أفلت من يدها وأصبح في المدينة سيدها وقائدها ورئيسها المحبوب؟ لقد كان الصراع مع قريش بعد الهجرة ـ صراعا حربيا ـ أمرا متوقعا في نظر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان في المدينة ـ مع الأوس والخزرج ـ عدد كبير من اليهود يسكنون في أرباضها أو على مواقع تحيط بها، ولم يكن يتوقع الرسول من اليهود سلما لدعوته ورضا بانتشارها وهم الذين كانوا يستولون على مقدرات سكانها من الأوس والخزرج، ويثيرون العداوات بينهم، لتظل لهم السيطرة السياسية والمالية عليهم.
فكيف يرتاحون الى وحدة كلمة هؤلاء المؤمنين من جيرانهم، وانتهاء الحروب والفتن الداخلية فيما بينهم؟ هذا مع ما فاض به تاريخ اليهود من محاربة لرسل الله، وقتل لأنبيائه، وإثارة للفتن والعداء في كل مجتمع يعيشون فيه، وبذلك واجه الرسول في المدينة جبهة أخرى معادية لدعوته، بعد ان كان العداء بينه وبين خصوم الدعوة في مكة محصورا في قريش ومن يناصرها.. هنا تتجلى حكمة الرسول البعيدة المدى، إذ بادر الى عقد ميثاق بينه وبين يهود المدينة ليأمن شرهم ويمنعهم من مؤازرة قريش في معاركها المقبلة، ووضع الميثاق، وأصبح اليهود مواطنين في المدينة يربطهم الميثاق الجديد بالدفاع عن المدينة ضد من يقصد غزوها، وبأن يكونوا مع المؤمنين فيها يدا واحدة على النوائب، ومن هنا استطاع الرسول ان يتفرغ لرد عدوان قريش، وان يخوض معها بدرا وأحدا وغيرهما من المعارك، آمنا في جبهته الداخلية، مكفيا شر اليهود، وهم أقدر على إيذائه من قريش، إذ كانوا في أرباض المدينة وما حولها.