Note: English translation is not 100% accurate
مواقف من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
عبقرية الرسول السياسية والحربية 3 - 3
15 يونيو 2012
المصدر : الأنباء
مع اليهود
وانتظر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى صلح الحديبية، وأمن شر قريش، فاتجه إلى تصفية قضية اليهود الباقين حول المدينة فأنهى علائقه مع يهود فدك، بحقن دمائهم ومغادرة ديارهم، وترك أموالهم، ثم انتهى من يهود وادي القرى ويهود خيبر، فتغلب عليهم، وفرض عليهم الجزية، وجردهم من قوتهم الحربية.. وبذلك انتهى من معركة اليهود، دون أن يخوض معهم جميعا معركة واحدة، ودون أن يحاربهم وقريشا في وقت واحد.
وهذه إحدى العبر في تاريخ الرسول السياسي والعسكري، دلنا على براعته وتوفيقه في الوصول إلى النصر، دون أن يثير قوى الأعداء عليه جميعا ما دام يستطيع أن يفرق بينهم ـ كما في غزوة الخندق ـ أو أن يضربهم الواحد بعد الآخر كما حصل في تصفية قضية اليهود في جزيرة العرب.
في صلح الحديبية
وأمامنا مثل آخر يدل على مرونة الرسول صلى الله عليه وسلم وبراعته وتفصيله المصلحة البعيدة المدى على المصلحة المؤقتة التي يمكن أن تكسب بالعاطفة، ولكنها تفوت كثيرا من المكاسب السياسية. ففي صلح الحديبية كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد القتال بل يريد الطواف في الكعبة، فلما أصرت قريش على المنع صمم الرسول صلى الله عليه وسلم على قتالهم، ووجد من المسلمين كل استعداد للفداء، وبايعه المسلمون بيعة الموت المشهورة ببيعة الرضوان، حتى إذا أبدت قريش رغبتها في الصلح على الشروط المعروفة، وهي شروط لم يرضها المسلمون أول الأمر، بل رأوا فيها ضعفا وذلة، ولكن القائد الرسول الذي يمتد بصره الى ما لا يمتد إليه بصر جنوده المؤمنين، أصر على قبول الشروط، فلم يجد المسلمون بدا من القبول، وتبين فيما بعد أن هذه الشروط كانت سببا من اسباب تعجيل النهاية المرتقبة للوثنية في جزيرة العرب، وأن صلح الحديبية كان الخطوة الأولى لفتح مكة واستسلام الوثنية العربية استسلاما لا قيام لها من بعده أبدا.
هنا يجب أن يذكر الدعاة أن على القائد، ان يجنب الدعوة المتاعب الكثيرة بأقل التضحيات، وأن يخضع للظروف مع حسن الاستعداد والاستفادة، كما فعل رسول الله حين رأى إصرار قريش على ألا يدخل الرسول ذلك العام مكة ابدا، فرجع عنها هو وصحبه بعد ان أوشكوا على وصولها، وكان قادرا على أن يدخلها عنوة واقتدار، ولكن المعركة يومئذ ستكلف المسلمين كثيرا من التضحيات، وما كسبه الإسلام من صلح الحديبية، كان أعظم سياسيا ودينيا وعسكريا مما كان يكسبه لو دخل المسلمون آنئذ مكة عنوة، وما هو إلا انتظار سنتين بعد ذلك حتى دخل الرسول مكة فاتحا، وقد استسلمت قريش، ثم دخلت في دين الله أفواجا.
إن على القائد ألا يضيق ذرعا بحماسة جنوده، كما تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم شدة عمر ومعارضته يوم صلح الحديبية، وعلى الجنود ألا يشقوا عصا الطاعة حين يحزم القائد أمره.
هذا درس كبير من دروس السيرة النبوية، ما أحرانا اليوم ان نذكره قادة وجنودا، والدعوة تمر في اخطر مراحلها والشبه كبير بين ظروفها الحاضرة وظروفها يوم صلح الحديبية، وصلى الله على القائد الأكبر الذي قال عز وجل فيه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).