بقلم الباحث: نايف شرار
[email protected]
يجسد استحداث مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف مظهرا من مظاهر العناية التي يحيطها الملك محمد السادس بكتاب الله عز وجل، فهي الصرح المهم الذي أتي ليعزز الرصيد الزاخر بالمنجزات والمبادرات الرائدة والأصيلة التي شملت الحقل الديني في عهده حفظه الله، كما يعكس الرعاية والتكريم اللذين يخص بهما أهل القرآن وحفظته، والتي من تجلياتها الواضحة، الاهتمام بتحفيظ القرآن الكريم للناشئة بالكتابة القرآنية وتدريسه في المدارس والمعاهد وقراءته في بيوت الله ونسخه وطباعته وتوزيعه في مختلف الأقطار، وكذا إحداث العديد من الجوائز، ومنها جائزتا محمد السادس الوطنية والدولية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده.
عناية المغاربة بالقرآن الكريم عبر التاريخ:
لقد كانت عناية المغاربة بالقرآن الكريم عبر التاريخ عناية فائقة ومتميزة، فمنذ أن دخل المسلمون الفاتحون أرض المغرب، ورسخوا فيه عقيدة الإسلام وشريعته، والمغاربة يولون كبير الاهتمام لكتاب الله ويحرصون على إعطائه المكانة التي يستحقها فقرأوه وأقرأوه، ودرسوا ما فيه ولقنوه لناشئتهم، وأثر في كثير من مجالات حياتهم وانعكس على تفكيرهم، واهتموا بكتابه، ورسمه وقواعد تجويده، واستقروا منذ عدة قرون على قراءة نافع بن أبي نعيم المدني برواية ورش من طريق الأزرق، وأعطوا أولوية خاصة لهذه القراءة بهذه الرواية من هذا الطريق ودرسوها دراسات مستفيضة، وضبطوها رسما وأداء ولم يتركوا فيها زيادة لمستزيد بعد أن دققوها واقفين عند النقط والشكل والوقف والابتداء، ومعرفة الأصلي والزائد، والممدود والمقصور، والمحرك والممال والمفخم والمرقق والمهموز والمسهل، والمظهر والمخفي والمثبت والمحذوف، والمعجم والمهمل، وغيرها.
وهكذا شملت اهتماماتهم كل هذه الفروع وخصوصا بالشرح والبيان، كما أولوا عناية فائقة لباقي القراءات المتواترة، وأسسوا المؤسسات المختصة فيها وأقاموا فيها الشيوخ المنقطعين لتلقينها وضبطها وتحفيظها للعام والخاص، وتركوا فيها المؤلفات التي تعكس تمكنهم من ضوابط هذا الفن، ومعرفة وجوه أدائه، ومازالت آثار علماء الغرب الإسلامي في هذا الفن مصدر كل وارد، وهي تشهد على كبير الجهود ووافر العناية وحسبنا من ذلك ما تزخر به خزائن المغرب والمشرق من تراثهم العلمي المخطوط والمطبوع.
ولكن لا ينبغي أن يفهم مما ذكر أن المغاربة لم تتجاوز اهتماماتهم بالقرآن الكريم الجوانب الشكلية منه، فهم قد تجاوزوا ذلك إلى الاعتناء بمضامينه ومعانية وأقصد علم التفسير، ولذلك شاعت بين الناس المقولة التي تخص كل جهة من جهات العالم الإسلامي بما يغلب على أهلها من العناية بالقرآن فقالوا نزل القرآن بلسان العرب ففسره الفرس، ورتله المصريون، وحفظه المغاربة.
وقد جسدت الأجيال السابقة واللاحقة هذا الترابط الروحي المتين الذي يربط أهل المغرب بالقرآن الكريم في مظاهر شتى، منها تلقينه لأولادهم منذ نعومة أظافرهم واحتفاؤهم بتلاوته، وحبهم الاستماع إليه، والاحتكام إلى شريعته وجهادهم في سبيل الله تحت رايته، وبذلك أيقنوا أن هذا القرآن بمثابة حصن حصين لهم ولعقبهم بإمكانهم أن يعيشوا تحت ظله آمنين مطمئنين، معتزي الجانب موفوري الكرامة، ونجد العلامة ابن خلدون قد سجل للمغاربة هذه الاعتناء وهذا التشبث بكتاب الله إذ قال رحمه الله «وأما إقامتهم لمراسم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة ونصرهم لدين الله فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبيانهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه ما يدل على رسوخ إيمانهم وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم التي كانت ملاكا لعزهم، ومقادا إلى سلطانهم وملكهم.
قبل أن يستقر المغاربة على قراءة نافع برواية ورش عرفوا قراءات قرآنية متعددة، حيث تأثروا بداية بقراءة ابن عامر الشامي التي كان يقرأ بها أهل الشام وذلك بفعل التأثير الشامي في الأندلس، وانتقال هذا التأثير إلى المغرب، استمر المغاربة والأندلسيون يقرأون القرآن الكريم برواية هشام عن ابن عامر ما يزيد على القرن ثم تحولوا مدة إلى قراءة حمزة، ولم يتحولوا إلى رواية ورش عن نافع من طريق أبي يعقوب الأزرق إلا بعد أن استقرت هذه الرواية بمصر والقيروان وانتشرت بعد ذلك في ربوع الغرب الإسلامي كله، وقد أتقنها المغاربة وحافظوا عليها جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا.
من بين من أسهموا في إدخال قراءة نافع إلى الغرب الإسلامي أيضا العالم الأندلسي «أبو محمد الغازي بن قيس الأندلسي» توفي سنة 199 هـ 814م والذي رحل من قرطبة إلى المدنية فأخذ القراءة مباشرة عن الإمام ورش الذي انتشرت روايته بالمغرب والأندلس، وصحح الغازي بن قيس مصحفه على مصحف نافع ثلاث عشرة مرة، فكان من أكثر المصاحف ضبطا في الرسم وفي القراءة.
لقد كان تأثير المغاربة قويا بالأندلسيين في مجال القراءة وعلومها، عن طريق علماء مشهورين أمثال مكي بن أبي طالب وأبي عمرو الداني والشاطبي والخراز، الذين تلقف علماء القراءات المغاربة كتبهم فعكفوا عليها فهما وتدريسا وشرحا، وتجاوزوها إلى التأليف في مختلف فنون علوم القرآن.
ومن بين المؤسسات التي أسهمت في نشر القراءات القرآنية في ربوع المغرب، بعض المدارس المختصة، اشتهرت منها في العصور المتأخرة مدرسة «دار زهير» قرب طنجة ومدرسة «سيدي الزوين» قرب مراكش اللتان تخرج منهما الجمع الغفير من القراء المتقنين للقراءات السبع والعشر.
هكذا، فمنذ أول المائة الثالثة من الهجرة، أضحت رواية ورش الرواية المفضلة عند المغاربة ولم تستطع رواية أخرى أن تزاحمها، وأن أكثر ما قوى هذه الرواية وشد أزرها، هو ظهور المؤلفات المبكرة في تدوينها وضبط قواعدها.
لماذا اختار المغاربة رواية ورش؟
إن اختيار المغاربة لرواية ورش جاء لمراعاة العلماء لمجموعة من العوامل التي جعلت المغاربة يختارون هذه الرواية عن غيرها، وقد أحصى الأستاذ «عبدالهادي احميتو» عضو الهيئة العلمية بالمؤسسة بعض هذه العوامل تمثلت فيما يلي:
٭ أولا: أن رواية ورش هي أوثق روايات قراءة نافع عند المغاربة.
٭ ثانيا: قرب الجوار لأنها هي التي تلي بلادهم انطلاقا من مصر.
٭ ثالثا: أن ورشا له أصل مغربي قيرواني، انتقل والده من أفريقية إلى مصر.
٭ رابعا: رغبة المغاربة في الاستقلال في قراءتهم ومذهبهم.
٭ خامسا: التقاء رواية ورش في أصولها مع مقتضيات مذهب مالك في اختياراته.
من هو الإمام ورش؟
كان نافع القارئ الذي أخد عنه ورش روايته، شيخا للإمام مالك، لذلك فاختيار المغاربة تلاوة كتاب الله تعالى برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق منذ دخولها إلى الأقطار المغربية على أيدي الرواد الأولين إلى يومنا هذا، كاختيارهم لمذهب الإمام مالك الفقهي، وبذلك يكونون بهذا الاختيار المزدوج قد جمعوا بين أتباع عالم المدينة المنورة وفقيهها، ومقرئها وإمامها نافع مقرئ المسجد النبوي.
وقد قال مالك عن قراءة نافع: «قراءة أهل المدينة سنة، قيل له قراءة نافع؟ قال نعم»، وحينما سئل عن حكم الجهر بالبسملة أثناء الصلاة قال: «سلوا نافعا فكل علم يسأل عنه أهله»، فصارت رواية ورش عن نافع تبعا للمذهب المالكي رمزا لوحدة المغرب المذهبية، وثوابت الأمة المغربية.
أما ورش، فهو عثمان بن سعيد المصري تلميذ الإمام نافع، ويمكن القول إن تعلق المغاربة بروايته عن أهل المدينة باعتبارها دار الهجرة النبوية ومنزل الوحي وموضع مدرسة الإمام مالك، إمام دار الهجرة في الفقه والحديث، هو تعلق بكل ما هو مدني، وبما هو نابع من إيمانهم وعمق محبتهم لصاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم باعتبار المدينة مكان هجرته، ومنطلق التشريع في حياته وموضع دفنه بعد مماته، وهي نفس الدار التي عرفت مدرسة الإمام مالك بن أنس، إمام أهل المدينة في الفقه ومدرسة الإمام نافع إمام أهل المدينة في القراءة وأحد القراء السبعة.
مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف
منذ اعتلائه العرش بالمملكة المغربية سنة 1999، لم يتوقف اهتمام الملك محمد السادس بالأمن الديني، كقطاع استراتيجي يكتسي أهمية لا حدود لها في ضمان من الاستقرار، من خلال مراجعة خارطة المساجد وتأهيل الأئمة وتنقية الحقل الديني من الشوائب، بل بادر إلى إنشاء مؤسسة خاصة تعنى بنشر المصحف الشريف، حيث إن مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني لا يمكن أن تكون لها قائمة دون تركيز العمل أولا وأخيرا على حماية أول مصدر من مصادر التشريع سواء على المستويين الديني أو المدني الا وهو القرآن الكريم.
هكذا جاء قرار إنشاء «مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف» وعيا من جلالة الملك بالإشكالات القائمة بخصوص طبع ونشر وتسجيل وتوزيع المصحف الشريف، وخطرها على الأمن الروحي للمغاربة، تأسيسا على ذلك أصدر أمره بمقتضي المرسوم الملكي رقم: 198. 1.09 الصادر في 8 ربيع الأول 1431 هـ الموافق 23 فبراير 2010 م القاضي بإحداث «مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف» مهمتها العناية بكتاب الله عز وجل تسجيلا وطبعا ونشرا وتوزيعا.
وحتى تنهض هذه المؤسسة بمهامها الجلية فقد جرى بناء مقر لها بمدينة المحمدية، أشرف جلالته شخصيا على تدشينه يوم الخمس 15 رمضان المبارك 1431 هـ الموافق 26 أغسطس 2010 م بكلفة إجمالية وصلت إلى ما يقارب مليار درهم.
هذا ويتوقع أن ترفع الطاقة الإنتاجية لمطبعة المؤسسة لتصل إلى مليون نسخة من المصحف المحمدي الشريف سنويا، ستوزع على مساجد المملكة، وترسل نسخ منه بالقدر الكافي إلى مساجد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ومساجد الدول التي تعتمد رواية ورش، لاسيما الدول الإفريقية.
مهام مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف
تتشرف مؤسسة محمد السادس للمصحف الشريف، بمهمة العناية بكتاب الله عز وجل تسجيلا وطبعا ونشرا وتوزيعا، مع كل ما يقتضيه ذلك من سهر على ضمان استمرار ضبطه ورسمه وقراءته بكامل الدقة والأمانة، صونا له من كل خطأ أو تحريف.
لذلك فالمهام المنوطة بها تشمل ما يلي:
٭ القيام بإعادة نسخ المصحف الشريف برواية ورش عن نافع وفق القواعد المعتمدة في علوم الرسم والوقف والضبط والقراءات.
٭ الإشراف على طبع المصحف الشريف والعمل على نشره وتوزيعه.
٭ الإشراف على تسجيل تلاوة المصحف الشريف ولاسيما برواية ورش عن نافع عن طريق استعمال مختلف أنواع الدعائم المتعددة الوسائط.
٭ الترخيص للأشخاص الذاتيين والاعتباريين الراغبين في طبع المصحف الشريف أو توزيعه.
٭ القيام بأعمال المراقبة والتدقيق للنسخ المطبوعة أو المسجلة من المصحف الشريف لضمان سلامتها من الأخطاء وللتأكد من حصولها على الترخيص واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحجزها ومنعها من التداول عند الاقتضاء، علاوة على حفظ حق المؤسسة في اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة، تطبيقا للقوانين الجاري بها العمل.
٭ إقامة علاقات تعاون مع المؤسسات والهيئات العامة والخاصة على الصعيدين الوطني والدولي قصد مساعدة المؤسسة على تحقيق أهدافها.
هياكل مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف:
1- مجلس الإدارة: يتكون الهيكل التنظيمي للمؤسسة من «مجلس إدارة المؤسسة» الذي يتألف من رئيس (وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أو من يمثله)، وعضوية (الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى أو من يمثله)، ومدير الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ورئيس قسم القرآن الكريم بالوزارة، بالإضافة إلى أعضاء يعينهم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، يتعلق الأمر بثلاثة رؤساء مجالس علمية محلية، ورئيس الهيئة العلمية، وثلاث شخصيات علمية من المتخصصين في علوم القرآن، وثلاثة خبراء من المتخصصين في المعلومات وفن الخطوط وفن الطباعة، بنسبة خبير واحد في كل مجال.
يختص مجلس إدارة المؤسسة، أساسا، برسم السياسة العامة، واعتماد القرارات الضرورية لتنفيذها، والمصادقة على مشروع الهيكلة التنظيمية للمؤسسة، والمصادقة على البرنامج السنوي لأنشطتها، وتحديد الإجراءات اللازمة لتطبيقه وحصر ميزانية المؤسسة، والمصادقة على حساباتها السنوية، وتحديد القواعد المطبقة على الصفقات التي تبرمها المؤسسة والمصادقة على مشاريع اتفاقيات التعاون التي تعتزم إبرامها.
2- مدير المؤسسة: إلى جانب مجلس إدارة المؤسسة يدعم هذا المرفق الديني المهم إدارة يرأسها مدير، مهامه محددة ويمكن إجمالها في:
٭ إدارة شؤون المؤسسة وتنسيق أنشطتها والسهر على حسن سيرها ومباشرة جميع الأعمال والعمليات الهادفة إلى تحقيق أغراضها، ومن ذلك مثلا: اقتراح جدول أعمال اجتماعات المجلس.
٭ إعداد البرنامج السنوي لأنشطة المؤسسة والعمل على تنفيذه بعد المصادقة عليه من قبل مجلس الإدارة.
٭ السهر على تنفيذ قرارات وتوصيات مجلس الإدارة.
٭ إدارة مصالح المؤسسة وموظفيها الإداريين والتقنيين والمتعاقدين.
٭ إبرام جميع العقود والاتفاقيات اللازمة لتحقيق المؤسسة لأغراضها بتفويض من مجلس الإدارة.
٭ إعداد اتفاقيات التعاون وإبرامها بعد مصادقة مجلس الإدارة عليها.
٭ إعداد تقرير سنوي حول إنجازات المؤسسة وعرضه على مجلس الإدارة للمصادقة عليها.
٭ السهر على احترام القوانين والأنظمة الجاري بها العمل والنظام الداخلي للمؤسسة وتمثيلها أمام القضاء وإزاء الدولة وكل الإدارات العامة والخاصة، والقيام بالإجراءات التحفظية اللازمة.
3- الهيئة العلمية: لمساعدة المدير على أداء مهامه لاسيما في الجانب العلمي المتعلق بها، فقد نص المرسوم المؤسس للمؤسسة على خلق وإيجاد «هيئة علمية» تترأسها شخصية يعينها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية من بين الشخصيات المشهود لها بالكفاءة في مجال علوم القرآن.
تمثل اختصاصات هذه الهيئة، على الخصوص، في الإشراف، من الوجهة العلمية والفنية، على إنجاز العمليات المتعلقة بنسخ المصحف الشريف وطبعه وتسجيله على مختلف الدعائم المتعددة الوسائط، والعمل على تتبع هذه العمليات ومراقبة تنفيذها، ودراسة طلبات الترخيص بطبع المصحف الشريف أو بنشره أو بتوزيعه، المقدمة من قبل أشخاص ذاتيين أو اعتباريين، طبقا للشروط والإجراءات المحددة بموجب نص تنظيمي.
4 - موارد المؤسسة: بخصوص الجانب التمويلي، تتشكل ميزانية المؤسسة من مساهمة الدولة وعوائد أوقاف المؤسسة والإعانات التي تتلقاها من أي هيئة وطنية أو دولية خاصة كانت أو عامة والهبات والوصايا.