Note: English translation is not 100% accurate
الرجال مواقف
شهيد نهاوند النعمان بن المقرن
14 يوليو 2013
المصدر : الأنباء
إنه الصحابي الجليل النعمان بن مقرن رضي الله عنه الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة مع أربعمائة من قومه مزينة، فاهتزت المدينة فرحا بهم، واستبشر بهم المسلمون، وقد هداه الله للإسلام، وهدى معه أهله وإخوته السبعة.
وقد اشتهر بنو مقرن بحب الله ورسوله، والإنفاق في سبيل الله عزّ وجلّ، والتضحية من أجل دين الله سبحانه، وفيهم نزل قول الحق تبارك وتعالى: (ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول إلا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم) [التوبة: 99].
ومنذ أن أسلم النعمان بن مقرن وهو يرفع لواء قومه مجاهدا بهم في سبيل الله شرقا وغربا، فنجده في فتح مكة، وفي الجهاد ضد هوازن والطائف وثقيف، ومحاربة المرتدين ومدعي النبوة في عهد الصديق رضي الله عنه، ثم يرفع لواء قومه في موقعة القادسية والتي شهدت أروع بطولاته وتضحياته.
خاض النعمان بقومه كل هذه الحروب محتسبا أجره عند الله، وطمعا في مرضاته، متمنيا أن ينعم الله عليه بالشهادة في سبيله.
وكان النعمان لين الجانب، زاهدا في الدنيا ومفاتنها، لا يرضى حياة الرفاهية والإمارة، بل يفضل حياة العمل والجهاد، فحين عرض عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الإمارة على قبيلته، رفض ذلك واعتذر لأمير المؤمنين، ويواصل النعمان رحلة جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق، فكان على رأس الجيش الذي نجح في فتح البصرة ثم الكوفة، وقضى بذلك على وجود الفرس في بلاد العرب.
وجمع يزدجرد كسرى فارس آنذاك جيشا عظيما عدده أكثر من مائتي ألف فارس، وجعل من نهاوند قلعة يوجه منها سهامه إلى الإسلام، وأصر على محاربة المسلمين والقضاء عليهم، وأحس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بخطورة الأمر، فحشد جيوشه الإسلامية، وأراد أن يقود الجيش بنفسه، إلا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أشار عليه بأن وجوده في المدينة خير للمسلمين من خروجه، حتى يرعى شؤون الأمة الإسلامية التي امتدت أطرافها شرقا وغربا، واقتنع الفاروق عمر رضي الله عنه برأي علي رضي الله عنه، وقال لمن حوله: أشيروا علي برجل أوليه قائدا في هذه الحرب، وليكن عراقيا، وله خبرة بطرقها ومسالكها.
فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم لجندك وقد وفدوا عليك.
فقال عمر: والله لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا.
فقالوا: ومن يكون؟ قال عمررضي الله عنه: النعمان بن مقرن المزني.
قالوا: هو لها يا أمير المؤمنين.
فأمر عمر رضي الله عنه النعمان بن مقرن بأن يتجه بالجيش إلى نهاوند، ثم أرسل إليه عمر جيشا آخر بقيادة حذيفة بن اليمان ليكون مددا وعونا له، فأصبح عدد الجيش الإسلامي ثلاثين ألف فارس، والتقى بجيش الفرس في حرب شديدة، ظلت يومين لم يستطع أحد أن يحقق النصر على الآخر، وفي اليوم الثالث نجح المسلمون في أن يبعدوا الفرس عن مواقعهم ويدخلوهم خنادقهم وحصونهم ويحاصرونهم فيها.
وطال حصار المسلمين للفرس، ففكر النعمان وجنده في حيلة يخرجون بها الفرس من حصونهم، فأشار طليحة بن خويلد الأسدي رضي الله عنه بأن يوهم بعض المسلمين الفرس أنهم قد انهزموا، وينسحبون من الميدان، فينجذب نحوهم الفرس، ويتركون مواقعهم، ثم ينقض عليهم الجيش الإسلامي كله مرة واحدة، فيهزمونهم بإذن الله.
ونفذ هذه الخطة الحربية القعقاع بن عمرو رضي الله عنه مع بعض جنود المسلمين، ونجحت الحيلة، وظن الفرس أن في جيش المسلمين ضعفا، فخرجوا وراءهم ليقضوا عليهم، فانقض عليهم المسلمون، واندفع النعمان بن مقرن في صفوف الفرس، يقاتل قتالا شديدا، طامعا في النصر للمسلمين وفي الشهادة لنفسه، ودعا الله قائلا: اللهم إني أسألك أن تقر عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام، واقبضني إليك شهيدا.
ونال النعمان أمنيته، فسقط شهيدا في أرض المعركة، وقبل أن تقع الراية من يده أسرع إليه أخوه نعيم وأخذ الراية منه ليواصل المسلمون جهادهم، ويكتم نعيم خبر استشهاد القائد، ويقوم حذيفة بن اليمان الذي أوصى النعمان له بقيادة الجيش من بعده، فيواصل المسيرة حتى تنتهي المعركة بنصر كبير، أعز الله به الإسلام والمسلمين، وفي جو الفرحة تساءل المسلمون عن قائدهم؟ فأجابهم نعيم قائلا: هذا أميركم، قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة.
ووصل الخبر إلى المدينة، فصعد عمر رضي الله عنه المنبر ينعى للمسلمين ذلك البطل الشهيد، ويقول وعيناه تذرفان بالدموع: إنا لله وإنا إليه راجعون، فيبكي المسلمون بالمدينة، ويرتفع صوت عبدالله بن مسعود بالبكاء وهو يقول: إن للإيمان بيوتا وإن بيت ابن مقرن من بيوت الإيمان.
وهكذا يسجل التاريخ يوما من أعظم أيام الإسلام، يوم نهاوند سنة (21هـ)، ذلك اليوم الذي استشهد فيه أمير نهاوند، وقائد المسلمين فيها النعمان بن مقرن.
وفي نهاوند، دفن النعمان يوم الجمعة في سهل ممتد تكسوه الأشجار العالية، ودفن معه من استشهد في ذلك اليوم الخالد.