Note: English translation is not 100% accurate
العباس بن عبدالمطلب.. ساقي الحرمين
23 يوليو 2013
المصدر : الرجال مواقف
العباس (أبو الفضل) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفصل بينهما سنتان أو ثلاث تزيد في عمر العباس عن عمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت القرابة والصداقة بينهما، إلى جانب خلق العباس وسجاياه التي أحبها الرسول الكريم، فقد كان واصلا للرحم والأهل، لا يضن عليهما بجهد ولا مال، وكان فطنا الى حد الدهاء وله مكانة رفيعة في قريش.
بيعة العقبة
في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم، وليتفقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم على الهجرة الى المدينة، أنهى الرسول صلى الله عليه وسلم نبأ هذا الوفد الى عمه العباس فقد كان يثق بعمه في رأيه كله، فلما اجتمعوا كان العباس أول المتحدثين فقال يا معشر الخزرج، إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده وكان العباس يلقي بكلماته وعيناه تحدقان في وجوه الأنصار وترصد ردود فعلهم،
كما تابع الحديث بذكاء فقال صفوا لي الحرب، كيف تقاتلون عدوكم؟ فهو يعلم أن الحرب قادمة لا محالة بين الإسلام والشرك، فأراد أن يعلم هل سيصمد الأنصار حين تقوم الحرب، وأجابه على الفور عبدالله بن عمرو بن حرام نحن والله أهل الحرب، غذينا بها ومررنا عليها، وورثناها عن آبائنا كابرا فكابرا، نرمي بالنبل حتى تفنى، ثم نطاعن بالرماح حتى تكسر، ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا، وأجاب العباس أنتم أصحاب حرب إذن، فهل فيكم دروع؟ قالوا نعم، لدينا دروع شاملة، ثم دار الحديث الرائع مع رسول الله والأنصار كما نعلم من تفاصيل البيعة وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر بالمدينة ليلة العقبة فيقول أيدت تلك الليلة، بعمي العباس، وكان يأخذ على القوم ويعطيهم.
غزوة بدر
وفي غزوة بدر رأت قريش الفرصة سانحة لاختبار العباس وصدق نواياه، فدفعته الى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها، والتقى الجمعان ببدر وحمي القتال، ونادى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه قائلا إني عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها، فقال أبو حذيفة أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنه السيف. فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ فقال عمر يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا ان تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا.
قال أبو اليسر: نظرت إلى العباس بن عبد المطلب يوم بدر وهو قائم كأنه صنم، وعيناه تذرفان، فلما نظرت إليه قلت جزاك الله من ذي رحم شرا، أتقاتل ابن أخيك مع عدوه، قال ما فعل؟ وهل أصابه القتل؟. قلت الله أعز له وأنصر من ذلك. قال ما تريد إلي؟ قلت إسار، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلك. قال ليست بأول صلته، فأسرته ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرسول صلى الله عليه وسلم كيف أسرته يا أبا اليسر؟ قال لقد أعانني عليه رجل ما رأيته بعد ولا قبل، هيئته كذا وهيئته كذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أعانك عليه ملك كريم.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب عمه العباس كثيرا، حتى أنه لم ينم حين أسر العباس في بدر، وحين سئل عن سبب أرقه أجاب سمعت أنين العباس في وثاقه. فأسرع أحد المسلمين الى الأسرى وحل وثاق العباس وعاد فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا يا رسول الله إني أرخيت من وثاق العباس شيئا. هنالك قال الرسول لصاحبه اذهب فافعل ذلك بالأسرى جميعا، فحب الرسول للعباس لن يميزه على غيره.
الفداء
وحين تقرر أخذ الفدية، قال العباس يا رسول الله، إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للعباس الله أعلم بإسلامك، فإن يك كما تقول فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا، فافد نفسك وابني أخيك، نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخو بني الحارث بن فهر، قال ما ذاك عندي يا رسول الله قال فأين المال الذي دفنت أنت وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني: الفضل وعبدالله وقثم، فقال والله يا رسول الله أني لأعلم إنك رسول الله، وإن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك شيء أعطاناه الله منك ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزل القرآن بذلك.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم وفيت فوفى الله لك (وذلك أن الإيمان كان في قلبه، وقال العباس فأعطاني الله تعالى مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى).
يوم حنين
حين كان المسلمون مجتمعين في أحد الأودية ينتظرون مجيء عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم الى الوادي وكمنوا لهم في شعابه ممسكين زمام الأمور بأيديهم، وعلى حين غفلة انقضوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيدا، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجيء فعلا صهوة بغلته البيضاء وصاح إلي أيها الناس، هلموا إلي، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
ولم يكن حول الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ إلا أبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وولده الفضل بن العباس، وجعفر بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، وقلة أخرى من الصحابة، وسيدة أخذت مكانا عاليا بين الأبطال هي أم سليم بنت ملحان وكانت حاملا انتهت الى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل.
هناك كان العباس الى جوار النبي صلى الله عليه وسلم يتحدى الموت والخطر، أمره الرسول أن يصرخ في الناس فصرخ بصوته الجهوري يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة (فأجابوه لبيك، لبيك) وعادوا كالإعصار صوب العباس، ودارت المعركة من جديد وغلبت خيل الله، وتدحرج قتلى هوازن وثقيف.
عام الرمادة
في عام الرمادة حين أصاب العباد قحط، خرج أمير المؤمنين عمر والمسلمون معه الى الفضاء الرحب يصلون صلاة الاستسقاء، ويضرعون الى الله أن يرسل إليهم الغيث والمطر، ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه، ورفعها صوب السماء وقال اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعم نبيك، فاسقنا، ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى جاءهم الغيث، وهطل المطر، وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه ويقبلونه ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين.