Note: English translation is not 100% accurate
الرجال مواقف
قتيبة بن مسلم.. عاش مجاهداً ومات مظلوماً
28 يوليو 2013
المصدر : الأنباء
هذا البطل أبى إلا ان ترفع راية التوحيد على سمرقند وبخاري ونيسابور وغيرها من هذه البلاد النائية رغم بعد المسافة ووعورة الطرق، بل ان طموحه حدا به الى التطلع لغزو الصين ورفع راية الإسلام تحت سمائها.
وكان سيتحقق له ذلك لولا ما ألم به في أخريات عمره من ظروف سياسية قاسية، فتعرض لمحنة فادحة راح ضحيتها ولم يتحقق له أمله العظيم. هذا البطل الذي فتح هذه البلدان التي خرج منها فيما بعد رجال من ألمع علماء المسلمين فكرا واجتهادا وتصوفا هو قتيبة بن مسلم الباهلي، وباهلة التي ينتسب اليها هذا القائد الفذ قبيلة عربية مغمورة لم يكن لها ذكر، فلم يبرز منها من تفخر به بين القبائل الأخرى، إلا هذا الفارس ووالده مسلم بن عمرو الذي كان شجاعا مقداما، وما اكثر ما هجا الشعراء في الجاهلية هذه القبيلة باعتبارها لم تخرج أبطالا في حومة القتال، أو شعراء ذاع صيتهم بين الناس.
وقد شب قتيبة بين قبيلته ورأى والده يعشق الفروسية، ويجيد ركوب الخيل، فقلد الصبي والده، ليوم يحقق فيه للإسلام انتصارات خالدة على مر الزمان، يمتد تأثيرها أجيالا وأجيالا، ويشب الفتى جريئا مقداما جسورا محبا لخوض أعتى المعارك.
وهذه الشجاعة قربته من الحجاج بن يوسف الثقفي، فقد هال هذا الشاب ان يرى فرق الخوارج تؤرق الناس، ويحاولون فرض أفكارهم على المجتمع الإسلامي كله، ورأى قتيبة في حركتهم إعاقة للفتح الإسلامي، وتفريقا لكلمة الإسلام، ومن هنا حث الحجاج بن يوسف الثقفي على التصدي لهم والتخلص منهم، وكان قائدهم «شبيب جريئا للغاية ولكن الحجاج استطاع انزال الهزيمة بهم، وفي الوقت نفسه لفتت أنظاره شجاعة قتيبة بن مسلم وحرصه على الموت واستبساله في المواجهة حتى رجحت المعركة لمصلحة الحجاج، وقرر ان يكون قتيبة من المقربين اليه، يدخره للأيام العصيبة.
والي خراسان
دانت للبطل الفرصة عندما أوعز الحجاج الى الخليفة عبدالله بن مروان بأن يولي إمارة خراسان قتيبة بن مسلم بدلا من يزيد بن المهلب، وهناك اتبع قتيبة سياسة جديدة تختلف عن سياسة سلفه الذي كان يعتمد كلية على العرب دون الفرس، مما أوغر صدور الفرس الذين يرون ان يزيد في تفرقته بين الفرس والعرب يبتعد عن روح الإسلام، فليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا فقد استقبلوا قتيبة عندما علموا منه نية الاستعانة بهم في امور الحكم والحرب استقبالا حسنا، ولم يضع قتيبة فرصة، ولا يسمح لنفسه بأن يضيع وقتا، فأمله ان يمتد الإسلام ويشمل أراضي جديدة لاتزال تعيش تحت وثنية وضلال الشرك.. فيضم ارمينية وبكستان وقد تجمع ملوك ورؤساء هذه البلاد لضرب قوات المسلمين، ولكن قتيبة قاوم مقاومة منقطعة النظير، ثم عبر النهر الذي كانوا يقولون انه يحول دون تقدم المسلمين وواصل جهاده وحرص على ان يكون كالصقر لا يعنيه ما يحيط به من مكائد الأعداء ويتصدى لهم بشجاعة لا تعرف الخوف ولا التردد، موقنا ان النصر من عند الله.
وظل قتيبة يؤدي واجبه في ميدان القتال كمجاهد لا يبغي إلا وجه الله، وفي الوقت نفسه كان يوقن تماما ان الإسلام ليس مجرد انضمام الأرض لتستظل برايته، فبنى المساجد، واصطحب من العلماء من يشرح للناس الدين الجديد، وكان الناس في هذه الأماكن يعتقدون في الأوثان فيعبدونها من دون الله.
وبعضهم الآخر كان متأثرا بالفرس قبل دخولهم الإسلام فعبدوا النار، فكان عليه ان يثبت لهم ان هذه الأصنام وهذه النار لا تنفع ولا تضر، فكن يحرق بنفسه الأصنام ويحطمها أمام الناس، ويطفئ هذه النيران المقدسة وهو يقول لهم: ان كانت هذه آلهة فيمكنها ان تضرني مادمت قد دمرتها، ولم يحدث له أي ضرر، وهكذا بدأ الناس يدخلون في دين الله وبدأ الإسلام ينتشر وكان الدافع وراء انتشاره ما في الدين نفسه من قيم ترغم معتنقيه على التمسك بها، كما رأى الناس في هؤلاء المجاهدين قدوة حسنة في السلوك والأخلاق والتعامل.
نهاية مفجعة
ولا يستطيع أي مؤرخ ان ينسى ان وراء هذه الفتوحات الحجاج بن يوسف الثقفي نفسه، وما قدمه للفاتح العظيم من معونات ومدد ورسم خطط، إلا انه بوفاة الحجاج والخليفة الوليد بن عبدالملك شعر الفاتح الكبير انه لن يكون على وفاق مع الخليفة الجديد سليمان بن عبدالملك، رغم السنوات الثماني التي قضاها دون ان يهدأ له جفن او تغمض له عين وهو يقود جيوش الإسلام في ظروف مناخية وجغرافية بالغة القسوة والضراوة، وكان قتيبة يعد العدة لاقتحام أرض الصين نفسها ونشر الإسلام بين ربوعها، بل انه ارسل الى ملكها ينذره بأنه سيقتحم بلاده لو لم يدخل في الإسلام او يدفع الجزية وهو صاغر، وقد فعل القائد الشجاع ذلك مع علمه بمدى حقد الخليفة الجديد عليه، لأنه كان شديد الولاء للوليد بن عبدالملك، وتوقعه ان يبادر الى عزله.
وحدث ما توقعه قتيبة بن مسلم، فقد أمر الخليفة بعزله وهو في أوج انتصاراته، وعودته الى دمشق فخيمت سحابات من الحزن والأسى على البطل الجسور، وأخذ يدير الأمر ويدرس مستقبله والحزن يعتصر قلبه، فهو قاب قوسين أو أدنى من تحقيق انتصارات رائعة، وها هو قد وجد ان طموحاته انتهت وان الخليفة يستدعيه الى دمشق حيث لن يقدم له أكاليل الغار، ولن يقدم له شكره على جهاده في سبيل الإسلام، ولكنه سيزج به في أعماق السجون.
وقرر ان يقاوم هذا القرار الظالم مهما تكن العواقب، وليمت في ميدان جهاده بدل ان يموت حبيسا تحت قبو مظلم رطب وانتهت حياته وهو يقاوم من جاء يقدمه للخليفة، فقد أصابه سهم طائش أودى بحياته.