Note: English translation is not 100% accurate
الدعاء المأثور
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام
2 مايو 2014
المصدر : الأنباء
بقلم: د. وليد العلي أهدى «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي بـ 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها. إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وأنفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي، ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام الذي تجود به القريحة.
وإن من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما أخرجه أبوداود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة».
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم إني أعوذ بك من الجوع»: هو استعاذة من الألم الذي ينال الإنسان بسبب شدة مصابرته لداء الجوع، فدوام خلو المعدة من الطعام يشوش الدماغ ويضعف القوى ويوهن الضلوع، كما أنه يمنع الجائع من القيام بوظائف العبادات الواجبة كالسجود والركوع.
لذا فقد نهى المصلي عن الصلاة بحضرة الطعام إذا كان يشتهيه، لأن الجوع يشغله عن الخشوع فيها ويصرفه عن الأنس بها ويلهيه، قالت عائشة رضي الله عنها: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان ـ أخرجه مسلم».
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنه بئس الضجيع»: فالجوع يضاجع الجائع إذا أوى إلى فراشه ويلازمه ليلا ونهارا ويقظة ومناما، حتى إن الجائع ليخر مغشيا عليه من شدة الجوع الذي قد تجرع منه آلاما، قال محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: «كنا عند أبي هريرة، وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع ـ أخرجه البخاري».
ومن ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصيام، لأن الإنسان يضعف عن الطاعة لا محالة إذا امتنع عن الطعام، فعن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال. قالوا: إنك تواصل. قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى ـ أخرجه البخاري ومسلم».
ولا تنافي هذه الاستعاذة: الجوع الحاصل للمعدة بسبب الصيام، فإنه جوع طارئ عليها وليس مضاجعا لها وملازما على الدوام، بل صلاح الدين والدنيا بتقليل الغذاء وترك التملي من الطعام، لأنه يوجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس عن الانتقام، فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث لنفسه ـ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة».
فالبطنة بامتلاء المعدة من الطعام تقسي القلوب وتسقم الأجسام، قال عمرو بن قيس رحمه الله تعالى «إياكم والبطنة، فإنها تقسي القلب».
وقال عثمان بن زائدة رحمه الله تعالى «كتب إلي سفيان الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك: فأقل من الأكل».
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «وأعوذ بك من الخيانة»: فوقعت الاستعاذة من الخيانة لأنها صفة من صفات المنافقين الذين هم شرار الخلق، كما أن ضدها وهي الأمانة صفة من صفات عباد الله المؤمنين التي هي قرينة الصدق، قال الله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور).
فالخيانة هي مخالفة الحق بنقض الأمانة وانتهاك العهد في السر والخفاء، وهذا شامل لجميع التكاليف الشرعية التي هي محل الاختبار والابتلاء، كالصلاة والزكاة والصيام والحج والغسل من الجنابة التي هي من حقوق الخالق، أو كالصدق في الحديث والوفاء بالوعد والمراعاة للعهد التي هي من حقوق المخلوق.
فشجرة الظلم الخبيثة المجتثة من أرض الجهل ثمرتها الخيانة، وشجرة العدل الطيبة التي أصلها العلم الثابت ثمرتها الأمانة، قال الله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا).
قال الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى «الزم الأمانة: يلزمك العلم».
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإنها بئست البطانة»: فالخيانة هي أخبث ما يبطنه الإنسان وينطوي عليه، وهي خصلة باطنة وليست بوصف ظاهر ينظر إليه. فهي خلة ذميمة تلازم الخائن ملازمة الثوب الباطن، وتحيط به إحاطة الصاحب الملازم والقرين القاطن.
قال جميل العذري:
لحا الله من لا ينفع الود عنده
ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم
على خلق خوان كل أمين
اللهم إنا نعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة.
فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستيقن بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.