Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف.. بقلم:خالد الخراز
10 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
الاستخارة
إن العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من مصلحته، وبما أنه يجهل أين تكمن هذه المصلحة في مستقبله القريب والبعيد وهي غيب بالنسبة له ولا يعلم الغيب إلا الله، فلابد له من الاستعانة بالله لمعرفة ما ينبغي فعله من أجل الحصول على الخيار المستقبلي الأفضل، وهو ما يعرف شرعا بالاستخارة، وهي: طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما.
وبما أن علم الإنسان لا يزيد على ما علمه الله، وقدرته مستمدة من قدرة الله، فإن لم يعلمه فهو الجاهل وإن لم يمنحه القدرة فهو العاجز، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه، فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه، فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه وأعانه عليه بقدرته ويسره له من فضله فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ويديمه بالبركة التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له، ثم إذا فعل ذلك كله فهو محتاج إلى أن يرضيه به، فإنه قد يهيئ له ما يكرهه فيظل ساخطا ويكون قد اختاره الله له.
والأصل في الاستخارة أن تكون الأمور الاختيارية للعبد، أي في الأمر المباح، أما الواجب والمستحب والحرام والمكروه فلا يستخار في فعلها.
ولقد شرعت الاستخارة للمسلم لطلب الخير في المستقبل، لذلك أبطلت عادات جاهلية كانت قائمة على طلب الخير للإنسان في المستقبل من طيرة وغيرها، وللاستخارة صلاة لابد منها: وهي أن يصلي المرء ركعتين من غير الفريضة في أي وقت من الليل أو النهار يقرأ فيهما بما شاء بعد الفاتحة، ثم يدعو بالدعاء الذي رواه البخاري عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال في عاجل أمري وآجله ـ فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال: في عاجل أمري وآجله ـ فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به، ويسمي حاجته» رواه البخاري.
وعلينا الالتزام بالوارد في الاستخارة، والحذر مما يفعله بعض الناس، ممن لا علم عنده، أو عنده علم وليست عنده معرفة بحكمة الشرع الشريف في ألفاظه الجامعة للأسرار العلية، لأن بعضهم يختارون لأنفسهم استخارة غير واردة بالشرع، والله أرحم بالعبد، وأشفق عليه من نفسه ووالديه، فهو العالم بمصالح الأمور المرشد لما فيه الخير، وبعضهم يستخير الاستخارة الشرعية ويتوقف بعدها حتى يرى مناما يفهم منه فعل ما استخار فيه أو تركه أو يراه غيره، وهذا ليس بشيء وليس عليه دليل معتبر، لأن المعصوم صلى الله عليه وسلم أمر بالاستخارة لا بما يرى في المنام.
وقال النووي: «وينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، ولا يعتمد على انشراح كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسا، وإلا فلا يكون مستخيرا لله، بل يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتها لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه».
قلت: الصواب قول من ذهب إلى أنه يفعل المستخير بعد الاستخارة ما بدا له واتفق، فليس الأمر منوطا على الانشراح أو الرؤيا، لأنه ليس في الحديث اشتراط انشراح النفس، ولا ذكر النوم بعد الاستخارة، واطلاع ما هو خير له في رؤياه، بل الصواب ان يستخير ويمضي لحاجتة آخذا بالأسباب متوكلا على الله، وما يقع خيره الله له، فإن صرفه فهذا خيرة الله له، وإن أمضاه فهذا خيرة الله له، سواء وفق في ذلك أو لم يوفق، سعد في ذلك أو لم يسعد.
وعلى المستخير الا يضيف إليها شيئا لم يرد، ويا سبحان الله! إن صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه قد اختار لنا ألفاظا منتقاة جامعة لخيري الدنيا والآخرة تغني عن كل زيادة. ولو لم يكن فيها من الخير والبركة إلا أن من فعلها كان ممتثلا للسنة المطهرة محصلا لبركتها، ثم مع ذلك تحصل له بركة النطق بتلك الألفاظ التي تربو على كل خير يطلبه الإنسان لنفسه ويختاره لها، فيا سعادة من رزق هذا الحال.
ويستحب للمرء إذا هم بأمر أن يصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يأخذ في دعاء الاستخارة الوارد، والأفضل أن يجمع بين الاستخارة والاستشارة، فإن ذلك من كمال الهدى، وقد قال بعض الحكماء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل، فعلى هذا، فمن ترك الاستخارة والاستشارة يخاف عليه من التعب فيما أخذ بسبيله لدخوله في الأشياء بنفسه دون الامتثال للسنة المطهرة وما أحكمته في ذلك.