مفرح الشمري
عندما كنت في القاهرة لتغطية مهرجانها الدولي للمسرح التجريبي بدورته الـ28، وجهت لي المخرجة الشابة منار زين لمشاهدة عرضها المسرحي «التغريبة بنت الزياني» وهو عرض بعيد كل البعد عن عروض المهرجان، ولأن عرضها في أروقة مسرح البالون الذي يحتضن معظم عروض المهرجان وتحديدا في قاعة صلاح جاهين، قبلت الدعوة وكان معي الزميل الفنان ابراهيم عسيري من المملكة العربية السعودية الشقيقة.
من الوهلة الاولى ادهشني العرض لأنه انطلق في استراحة مسرح البالون من خلال فرقة شعبية استخدمت كل الآلات الشعبية التي كانت تستخدم في سرد أحداث السيرة الهلالية والتي كنت اشاهد معظمها بالمسلسلات والافلام السينمائية القديمة، دخول بصراحة شدني أكثر وانا أمشي وراء هذه الفرقة الشعبية حتى وصلت الى باب قاعة «صلاح جاهين» لأشاهد الاستعراضيين بأزيائهم تستقبلنا وكأننا من فريق عمل المسرحية لأرى امامي خشبة مسرحية دائرية كراسي الجمهور عليها ليتابع مشاهد المسرحية بشكل دائري حيث يتحرك معها الجمهور ليشاهد أماكن متنوعة في الانتقال من مشهد الى آخر من خلال قرص يدور في توقيتات محددة في هذا العرض المسرحي الشيق.
بصراحة تمنيت ان تكون هذه الخشبة موجودة عندنا ولكن للأسف نحن تعودنا على دوران الديكور وليس الجمهور في عروضنا المسرحية التي لا تلجأ الى مثل هذه الحلول لتقديم شكل جديد في العروض المسرحية والتي من خلالها يجذب الجماهير لها، ولكن الى هذه اللحظة خشباتنا على نظامها القديم والتقليدي.
اتجاه المخرجة الشابة منار زين الى هذا الحل الذكي دفعني لمتابعة المسرحية بحماس شديد لأنها أثبتت لي انها مخرجة بارعة، على الرغم من صغر سنها، في إيجاد حلول إخراجية تتناسب مع حجم ومساحة القاعة الصغيرة لأن الإخراج عملية إبداعية لا ينجح فيها أحد بـ«الواسطة». العرض المسرحي نصه مستوحى من قصص السيرة الهلالية كتبه بكرى عبدالحميد، وقدمته المخرجة منار زين بشكل معاصر، وأحداثه تدور حول أبطال السيرة الهلالية «أبو زيد الهلالى، وسعدة بنت الزناتى، الزناتى خليفة، ودياب ابن غانم». والعرض يشهد صراعا مسرحيا بين شخصية دياب وسعدة التي سلمت مفاتيح تونس للهلايلة ليقوم دياب بعد ذلك بمطاردتها فتستنجد سعدة بأبطال السيرة الهلالية، ليعيش المتلقي حالة درامية مختلفة مع اجواء الآلات الشعبية وكثرة الـ«فلاش باك» من السيرة الهلالية وكأن الحضور يتابعون بانوراما عن السيرة الهلالية وليس عرضا مسرحيا.
المخرجة منار زين وفريق عملها أعطونا درسا في المسرح، مفاده اننا بالامكان الوصول الى العالمية من خلال تراثنا المحلي وليس فقط باللجوء الى النصوص العالمية، لان تراثنا فيه ما يؤهلنا للوصول الى العالمية اذا وجد الاهتمام من القائمين على المسرح لأنه يعبر عن هويتنا وثقافتنا العربية، وأتمنى من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الالتفات الى هذا الأمر بدعم وتشجيع الفرق المسرحية سواء الأهلية او الخاصة التي تقدم التراث الكويتي في مهرجاناته بالاهتمام بها والمساعدة على عرضها في الخارج لأن المتلقي هناك يريد أن يرى تراثنا وثقافتنا وليس نصوص شكسبير أو غيره!
أخيرا.. شكرا منار زين، وشكرا للفرقة الشعبية التي اعطت جوا آخر للعرض، والشكر موصول الى فريق عملك الذي يمتلك قدرات فنية هائلة تؤهلهم لتقديم أصعب الشخصيات ولكن أتمنى تقليل مدة العرض لأن به عدة نهايات.
المخرجة منار زين أثناء متابعتها لعرضها المسرحي