كثير من الناس يجعلون من شهر رمضان المبارك معرضا لألوان الاطعمة المختلفة، وقد قال الله سبحانه وتعالى (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، وقال ايضا (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)، حول ثقافة الاستهلاك نتعرف على هذه الآراء:
في البداية، يحدد الشيخ د.ناظم المسباح الحدود الضابطة للانفاق حتى تتحقق الغاية، وهي القبول من الله تعالى، فيقول: بذل المال واقامة المآدب بغية التوسع على الفقراء وادخال السرور على المحرومين وتوثيق العلاقات بين الناس لهو امر محمود حث عليه الله سبحانه وتعالى بقوله (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)، ولكن هذه الأعمال تحكمها نية القائم عليها، فإذا كانت النية صادقة لوجه الله واستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال «تصدقوا ولو بشق تمرة»، فقد تبرر انفاقه ويدخل ميزان حسناته بإذن الله، اما اذا كان القصد هو المفاخرة وحب الظهور فقد أسرف وأثم، ومهما كانت النية صادقة فيجب عدم الاسراف، كما يجب ضبط الاستهلاك بعدم التنويع المفرط، والاكتفاء بأنواع محددة من الطعام واللحوم، قال تعالى (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)، فإذا نظرنا نجد كثيرا من فائض الطعام في اكياس القمامة.
وأكد المسباح ان الاسلام نهى عن التبذير والاسراف، كما نهى عن البخل والتقتير في رمضان وغير رمضان، وجعل المبذرين من اخوان الشياطين، وطالب المسلم بألا يستجيب لشهوات نفسه من طعام او شراب، لأن المقصد من الصوم وكسر شهوة النفس وتعويدها والاكتفاء باليسير من الطعام والشراب، أما ما يفعله المسلمون في هذا الزمن من التفنن في اعداد الطعام والتكلف فيه وايجاد المرغبات في تناولها يضر بالصحة ويناقض مشروعية الصيام «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه».
شهر العبادة
بدوره، يقول د.طارق الطواري: الاصل في شهر رمضان الكريم هو «صوموا تصحوا»، مستشهدا بقول ابن القيم، رحمه الله «من اراد ان يمشي الى الله سريعا فليخفف من أربع: كثرة الطعام، كثرة المنام، كثرة الكلام، وكثرة الآثام»، مؤكدا ان هذا الشهر الكريم هو فرصة لأن يقلل المسلم من هذه الأربع، لافتا إلى أن شهر رمضان هو شهر العبادة والتقوى وهو شهر تزهد فيه النفس شهواتها وتحد من ذنوبها ومعاصيها لتصفو مع الله، مؤكدا ان الاسراف في الطعام والشراب انما هو اعتداء على النفس واعتداء على المعدة، حيث يأكل الانسان فينام كثيرا فيخسر كثيرا.
وحذر الطواري من البذخ الشديد والاسراف في انواع الاطعمة واشكالها والتي يتبارى اليها الناس ومعظمها يرمى في سلة المهملات، وكأن رمضان هو شهر الاسراف الذي لا حدود له، وكأنه شهر المقبلات والمقدمات والمؤخرات وليس شهر قناعة وصيام وقيام، ودعا المسلمين الى اتباع نهج النبي صلى الله عليه وسلم في الاقتصاد بالطعام وجميع دروب الحياة.
علماء النفس والظاهرة
يقول د.خضر البارون ان ظاهرة الاسراف ليست جديدة وليست وليدة اليوم، ولكنها قديمة منذ الازل، لكن ظهرت بوضوح في الفترة الحالية بسبب التغيرات المالية التي طرأت في حياة الناس في مجتمعاتنا العربية، وأسوأ ما في الاسراف ان البعض يتخذه وسيلة للتفاخر ودليلا على الغنى الفاحش كي يقول عنه الناس انه ثري، وهذه العادة السيئة لدى البعض وما ينتج عنه من آثار سلبية لها جوانب نفسية في الشخصية، فالبعض يشعر بالنقص ويحاول تعويض ذلك من خلال الاسراف والتبذير، واشار البارون الى ان هذه الظاهرة تزداد في شهر رمضان المبارك رغم انه من الطبيعي ان يحدث العكس في مساعدة الفقراء وذوي الحاجات، واذا نحن علمنا اولادنا هذا السلوك فإنهم في المستقبل سيكبرون وهم لديهم صفة جميلة ومضادة للاسراف وهي الاعتدال.