علمت زبيدة زوجة الرشيد حين حجها أن راوية الماء تباع بدينار، وأن الفقير إنما يتبلغ بما يتساقط من قطرات الغني فاعتزمت أن تحفر لآل مكة ولقصّاد البيت الحرام نهرا جاريا، يتصل بالماء وبمساقط المطر، بالغا من بعد الشقة ووعورة الطريق ما مساحته، ولم يسنح بخاطر احد منذ عهد إسماعيل - صلوات الله عليه - حتى عهد زبيدة مثل هذا الخاطر الوثاب، خاطر إجراء نهر بين شعاب مكة، بل ولم يتمنه متمن، لأنه أبعد من حد التمني، أما زبيدة فقد اعتزمت أن تجري هذا النهر مهما بلغت نفقاته.
فدعت خازن أموالها وأمرته بأن يدعو العرفاء والمهندسين والعمال من أطراف الأرض، ليحفر النهر فاستعظم خازنها الأمر وما سيستنفد من المال فيه، فقالت له تلك الكلمة الخالدة: اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارا، فأذعن وساق الى مكة أهل الكفاية من كل مهندس وعامل، فأخذوا يصلون منابع الماء في شعات الجبال، ويظاهرون ذلك بما يحتفرون من الآبار وما يعمقون من المسايل ثم يغلغلون ذلك بين أعطاف الصخور تارة وفي أعماق الأرض طورا، حتى ينتهي ذلك الى النهر الذي احتفروه، ثم ظاهروا ذلك بمجرى آخر من واد وسموه «بئر زبيدة»، ومن هناك يسير الماء في فرعين يذهب أحدهما الى عرفات، وينتهي الآخر الى مسجد نمرة، ولكيلا يأسن الماء صرف ما فضل منه من ري الظمأ الى بركة «ماجن» بالمسفلة، وزرع حولها الزهر والثمر.