(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا - الفتح: 4-6).
يخبر الله سبحانه وتعالى عن تثبيت المؤمنين آلاً وأصحابا الذين رافقوا نبيهم يريدون العمرة، وصدهم المشركون عنها، ويمتن عليهم بما أنزله من السكون والطمأنينة في قلوبهم، لئلا ينزعج لما يرد عليهم من صد المشركين لهم، ومن شروط مجحفة ظالمة اشترطها المشركون يوم الحديبية عليهم، فسلموا لقضاء الله، ولم يتضعضعوا من هذه الشروط، وكان ثباتهم هذا هبة من الله لهم، وسكينة أودعها قلوبهم.
والمؤمنون المقصودون في الآية هم الآل والأصحاب يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ورسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم لذلك واستقرت، زادهم ايمانا مع إيمانهم، وتصديقا مع تصديقهم.
ويخبر الطبرسي في مجمع البيان نقلا عن الطوسي في التبيان، «ان السكينة المرادة في الآية نعمة تامة للمؤمنين خاصة، وهي ان يفعل الله اللطف الذي يحصل لهم عندهم من البصيرة بالحق، وما تسكن إليه نفوسهم، وذلك بكثرة ما ينصب لهم من الأدلة الدالة عليه».
وفي هذه الأخبار إشارة جلية إلى فضل أولئك الذين نزلت عليهم السكينة من الآل والأصحاب الذين رافقوا النبي ﷺ في هذا الوقت العصيب من تاريخ الدعوة.
ثم يخبر سبحانه أنه لو شاء أن يهلك الكافرين لأهلكهم، فله سبحانه جنود السماوات والأرض ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد والقتال كما شرع لهم التصالح وعمل المعاهدات، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال (وكان الله عليما حكيما).
إن الآيات الكريمة ناطقة بفضل الجماعة المؤمنة (آلا وأصحابا)، التي أحاطت بنبيها ﷺ إحاطة السوار بالمعصم، وما توانت عن نصرته في أحلك الظروف وأشد الأوقات.
ثم قال سبحانه (ليدخل المؤمنين والمؤمنات) أي ان هذا التدبير السابق من الله سبحانه وتعالى، ليعرف المؤمنون بنعمة الله ويشكروها، فيدخلهم (جنات تجري من تحتها الآنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم) أي يغطي عنهم مساوئهم، فلا يظهرها لهم ولا لغيرهم (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) لما أغاظهم من ذلك وكرهوه.