نحن بين يدي سورة النجم وهي سورة مكية جاءت في ترتيبها القرآني بعد سورة الطور، ومن عجيب القرآن، سبحان الله، أن الإنسان إذا نظر في القرآن يرى أن القرآن يأخذ ببعضه البعض مرتبط المعاني متصل الحلقات، فقد انتهت سورة الطور بذكر النجم فقال عزّ وجلّ: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم - الطور: 49) وافتتح عزّ وجلّ سورة النجم بقوله تعالى: (والنجم إذا هوى) أقسم الله تعالى بالثريا إذا غابت والمقسم عليه شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم تبرئة له من تهمة الغواية والضلال، فمحمد الذي عرفتموه منذ صغره بالصدق والأمانة تعرفونه جيدا، ما حاد محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الهداية والحق بل هو في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد (وما ينطق عن الهوى) وليس نطقه صادرا عن هوى نفسه (إن هو إلا وحي يوحى) فما القرآن والسنة إلا وحي من الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
قوة خفية
(علمه شديد القوى) علم محمد صلى الله عليه وسلم ملك شديد القوة وصف الله تعالى لجبريل بالقوة (ذو مرة فاستوى) قوة خاصة خفية غير تلك القوى الظاهرة أمامنا، ذو منظر حسن وهو جبريل عليه السلام الذي ظهر واستوى على صورته الحقيقية للرسول صلى الله عليه وسلم في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس عند مطلعها، (ثم دنا فتدلى) ثم دنا جبريل من الرسول صلى الله عليه وسلم فزاد في القرب منه (فكان قاب قوسين أو أدنى) فكان قربه ودنوه مقدار قوسين أو أقرب من ذلك (فأوحى إلى عبده ما أوحى) فأوحى الله عزّ وجلّ إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى بواسطة جبريل عليه السلام.
شرف عظيم
(ما كذب الفؤاد ما رأى) ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره، فأي شرف ناله النبي صلى الله عليه وسلم فقد نفى الله الكذب عن فؤاده فضلا عن لسانه.
(أفتمارونه على ما يرى) أتكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم فتجادلونه على ما يراه ويشاهده من آيات ربه؟ (ولقد رآه نزلة أخرى) ولقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل مرة أخرى (عند سدرة المنتهى) عند سدرة المنتهى - شجرة نبق - وهي في السماء السابعة ينتهي إليها ما يعرج به من الأرض وينتهي إليها ما يهبط به من فوقها. (عندها جنة المأوى) التي وعد بها الله عزّ وجلّ المتقين، كل ما يسكنه المؤمن في الدنيا من بيوت وقصور ومساكن مجرد فنادق مؤقتة لأن مأواه الحقيقي ومستقره الأبدي الجنة.
تشريف لرسول الله
(إذ يغشى السدرة ما يغشى) إذ يغشى السدرة من أمر الله شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا الله عزّ وجلّ وكان النبي صلى الله عليه وسلم على صفة عظيمة من الثبات والطاعة. (ما زاغ البصر وما طغى) فما مال بصره يمينا ولا شمالا ولا جاوز ما أمر برؤيته. (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من آيات ربه الكبرى الدالة على قدرة الله وعظمته من الجنة والنار وغير ذلك.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)