(يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام) تعرف الملائكة المجرمون بعلامتهم فتأخذهم بمقدمة رؤوسهم وبأقدامهم فترميهم في النار.
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ أي بعلامات تظهر عليهم، وهذا كما يعرف المؤمن بالغر والتحجيل من آثار الوضوء، فقال يعرف المجرمون بسيماهم أحيانا سودا وأحيانا زرقا، فيؤخذ بناصيته وتطوى رأسه طي إهانة وخزي له ويلقى في جهنم، والعياذ بالله، ومن ذلك يقال لهم هذه جهنم التي تكذبون بها، (يطوفون بينها وبين حميم آن) يترددون بينها وبين حميم شديد الحرارة، تارة يسقون من الحميم وهو شراب بلغ منتهى الحرارة يقطع الأمعاء والأحشاء، وتارة يعذبون في الجحيم، (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟
بين خوف ورجاء
(ولمن خاف مقام ربه جنتان) بعد أن ذكر الله عز وجل النار لتربية المهابة في النفوس وتعظيم الخوف من الله عز وجل، تعقب بعدها الآيات التي تبعث الرجاء وسؤال الله الجنة، فالقرآن يثني بهذا المعنى حتى يصير العبد الى الله عز وجل بين خوف ورجاء وترهيب وترغيب، فذكر الله عز وجل بعد ذلك وقال (ولمن خاف مقام ربه جنتان)، من خاف المقام بين يدي الله يوم القيامة فإن له جنتين، لمن اتقى الله من عباده من الإنس والجن فخاف مقامه بين يديه فأطاعه وترك معاصيه..
أوصاف الجنتين
من أوصاف هاتين الجنتين انهما ذواتا افنان اي فيهما من ألوان النعيم المتنوعة نعيم ظاهر ونعيم باطن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ان فيهما الاشجار الكثيرة الزاهرة ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة اللذيذة، أو ذواتا انواع واصناف من جميع اصناف النعيم وانواعه، وأفنان جمع فنن أي: صنف، وفي هاتين الجنتين عينان تجريان يفجرونهما على ما يريدون ويشتهون فيهما من كل فاكهة من جميع أصناف الفواكه - زوجان أي: صنفان كل صنف له لذة ولون ليس للنوع الآخر.
حال أهل الجنة
(متكئين على فرش بطائنها من استبرق) هذه صفة فراش أهل الجنة وجلوسهم عليها وانهم متكئون عليها أي: جلوس تمكن واستقرار وراحة، كجلوس الملوك على الأسرة، وتلك الفرش لا يعلم وصفها وحسنها إلا الله تعالى، حتى ان بطائنها التي تلي الأرض منها من استبرق وهو احسن الحرير وافخره، (وجنى الجنتين دان) الجنى هو الثمر المستوي اي: وثمر هاتين الجنتين قريب التناول يناله القائم والقاعد والمضطجع.
أزواجهم
(فيهن قاصرات الطرف) أي: قد قصرن طرفهن على ازواجهن من حسنهن وجمالهن وكمال محبتهن لهم، وقصرن ايضا طرف ازواجهن عليهن من حسنهن وجمالهن ولذة وصالهن، (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) أي لم ينلهن أحد قبلهم من الانس والجن بل هن أبكار عرب متحببات الى أزواجهن بحسن التبعل والدلال، ولهذا قال كأنهن الياقوت والمرجان لجمالهن وبهائهن.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)