سورة الحديد، سورة مدنية، لكنها تحمل سمات السورة المكية التي تحفل بالإشارة إلى شواهد الله عز وجل في الكون، وسماها الله «الحديد» لشرف هذا المعدن ولأمر معجز فيه، ولوقوع لفظ الحديد فيها (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد).
التسابيح تملأ كل شيء حولنا
(سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)، مجد الله ونزهه عن السوء وعن كل عيب ونقص وعن مماثلة المخلوقين جميعا، تشمل الإنسان والملائكة والدواب والحيوانات، كل شيء يسبح له، الحصى يسبح له كما كان في يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو العزيز على خلقه، ذو الكبرياء والغلبة والسلطان، الحكيم في تدبير أمور عباده، فكل ما في السموات يسبح له، بمعنى انه يخبرنا عن استغراق الكون كله في تسبيح الله.
أكمل الصفات وأجلّ الذوات ذاته
(وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)، هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، فكل المخلوقات تحته، والباطن الذي ليس دونه شيء، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء عليم.
أي شيء بعده نخشى؟
(هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام)، هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على عرشه فوق جميع خلقه، استواء يليق بجلاله، يعلم ما يدخل في الأرض من حب ومطر وغير ذلك، وما يخرج منها من نبات وزرع وثمر، وما ينزل من السماء من مطر وغيره، وما يعرج فيها من الملائكة والأعمال، وهو سبحانه معكم بعلمه أينما كنتم، والله بصير بأعمالكم التي تعملونها وسيجازيكم عليها.
لا ملك إلا الله عزّ وجلّ
ولما بين الله عز وجل كمال علمه، بين أيضا كمال ملكه، فقال (له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور)، هو الملك لا ملك إلا هو سبحانه، حتى الإنسان ملكه في هذه الدنيا ناقص زائل، لكن تمام الملك هو لله عز وجل، وإلى الله مصير أمر الخلائق في الآخرة وسيجازيهم على أعمالهم.
مظاهر قدرته
(يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور)، يدخل ما نقص من ساعات الليل في النهار فيزيد النهار، ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل فيزيد الليل، وهو سبحانه عليم بما في صدور خلقه، عليم بالنيات، فلا بد للإنسان أن يحرص على الاخلاص في نياته وان يجعلها لله، فإذا كان الله عز وجل عليما بذات الصدور فعلى العاقل أن يحرص ويجتهد في حفظ باطنه من الأخلاق الرديئة وأن يتصف بالأخلاق الجميلة، فهو عز وجل محيط علما بما تخفيه النفوس ولو كان خاطرة يعلمها الله.
فعندما يعلم الإنسان ان الله عليم بذات الصدور يحرص على طرد الأفكار والخواطر التي هي من الشيطان ومن النفس التي تأمر بالسوء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا فقال: في القلب لمتان ( خاطران) لمة من الملك، ولمة من الشيطان، فإذا جاء الخاطر وفيه خير فاحمدي الله، فإنه ليس منك بل هو توفيق من الله، والثاني من الشيطان، فإذا جاء فاستعيذي بالله من الشيطان واستغفري الله، لأن الاستغفار يجلي أدران القلب.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)