هناك البعض الذي يقضي نهاره بالخوض في الحديث عن الناس بالغيبة والنميمة، فما جزاء الصائم الذي يغتاب الناس؟ وهل حديثه عنهم يفسد صومه؟ وماذا يقول علماء الشرع في الصائم النمام؟
في البداية، يؤكد د.السيد محمد الطبطبائي ان عبادة الصوم لا يتم ثوابها الا بحفظ اللسان عن الغيبة والنميمة والبعد عن نشر الاقاويل، فحصيد اللسان منهي عنه في سائر الاوقات، اما في شهر الصوم فهو اكبر من النهي، لأنه يكاد يفسد اجر الصائم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فالغاية المنشودة من الصوم هي تقوى الله، فقد قال تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، والصيام لا يؤدي الى تقوى الله تعالى إلا إذا التزم الصائم بآدابه وما ينبغي ان يكون عليه بالتخلق بخلق القرآن والبعد عن الرذائل.
واضاف د. الطبطبائي: إذا كنا نحذر من فلتات اللسان في الصوم، فإن التحذير يوجه بقوة الى مجالس النساء، سواء في المنازل او في اماكن العمل، قال تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)، فعلى المرأة المسلمة ان تبتعد عن احاديث الغيبة والنميمة حتى يقبل صيامها عند الله، فالله تعالى طيب لا يقبل الا طيبا، وهو شهر الاخلاق والصدق في القول والقيام بالواجبات الشرعية والدنيوية، فما احوج المرأة في هذا الشهر الكريم الى التخلق بأخلاق زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت امهات المؤمنين يستقبلن شهر الصوم بالعبادة وقضاء نهار الصوم في تلاوة القرآن وترطيب اللسان بذكر الله تعالى والبعد عن فواحش القول عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يدخل الجنة نمام».
من كبائر الذنوب
بدورها، تقول الشيخة د.هيا بنت سلمان الصباح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فإن الله عز وجل لم يشرع الصيام لأجل الامتناع عن الطعام والشراب وكفى، بل لحكم بليغة ومعان بديعة في تهذيب النفس وتزكية جنبات الصدور، يقول الله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه)، هذه الآية فيها قياس تمثيلي عظيم للغيبة، قال في تفسيرها ابن القيم رحمه الله «ولما كان المغتاب متفكها بغيبة من يغتابه وذمه متحليا بذلك شبه بأكل لحم أخيه بعد تقطيعه، ولما كان المغتاب محبا لذلك معجبا به شبهه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله كما ان أكله قدر زائد على تمزيقه».
ولفتت الشيخة د.هيا الصباح الى ان الذين يغتابون هم أسرى الاوهام والخيالات سراعا لكل داع، طعمة لكل من كان للشر ساع، ضاق بهم الفضول حتى لجأوا الى تتبع عثرات القوم فنبشوا دفائن صدورهم وتغلغلوا في أطوار سرائرهم حتى تناغمت ألسنتهم زورا وبهتانا عنهم، ومن ابتلي بمجالس الغيبة فليعتزل وعليه أن يختلي.
واكدت ان الغيبة تخرق الصيام والاستغفار يرفعه، فمن استطاع الا يأتي بصوم مخرق فليفعل، قال ابن المنكدر «الصائم اذا اغتاب خرق واذا استغفر رفع».
وزادت: فالغيبة من كبائر الذنوب، وهي بحاجة الى توبة صادقة، وهي من اعظم المعاصي التي تقسي القلب وتذهب بالثواب والأجر.
ضبط الجوارح
من جهته، قال د.خالد الخالدي: في رمضان، يتعلم المؤمن ان الصيام ليس كفا عن الطعام والشراب فحسب، بل صياماً عن كل ما يلوث القلب واللسان، ومن اعظم ما يفسد على الصائم صومه الغيبة والنميمة، فالصائم الذي يمسك عن الماء ثم يطلق لسانه في اعراض الناس، قد خالف حكمة الصيام، وخسر من اجره بقدر ما نال من لحوم اخوانه.
وأضاف: الغيبة هي ذكرك اخاك بما يكره في غيبته، ولو كان حقا، وهي في حقيقتها تجريد لأخيك من ستر الله، وطعن في عرضه من خلفه، أما النميمة فهي نقل الكلام بين الناس بغرض الافساد، فتقع بها العداوات، وتتشقق بها العلاقات، وتزرع بها الضغائن في الصدور، وكلتاهما مما توعد الله عليه بالعذاب، ووصف فاعله بمذلة الخلق قبل سخط الخالق، قال النبي صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، فهذا الحديث كان ليعلمنا ان قيمة الصيام ليست فيما يمنع عن الجوف، بل في ضبط الجوارح، وأشرفها اللسان، فمن لم يضبط لسانه في رمضان فكأنه لم يصم صياما ينفعه بين يدي الله.
وزاد: ان شهر رمضان فرصة لإعادة تهذيب ارواحنا، وتطهير مجالسنا، والزام ألسنتنا بالذكر والتسبيح، لا بالنميمة والغيبة، فلنحفظ صومنا من ان يكون عادة بلا معنى، ولنصنه عن ان يصير حصرا على الجوع والعطش دون اشراق في القلوب، فمن اراد لرمضان ان يزهر في صحيفته، فليجعل لسانه رطبا بذكر الله، ولا بذكر عثرات الناس.