مفرح الشمري
على خشبة مركز الأمريكاني الثقافي، وضمن فعاليات مهرجان صيف ثقافي 18، جاءت مسرحية «جمول حامي السور» كعرض «عرائسي» يحمل روح الكويت القديمة، وتم تقديمها للأطفال بطريقة بسيطة، ممتعة وقريبة من عالمهم، فالعمل لا يكتفي بسرد أحداث من الماضي، بل يجعل الطفل يرى التاريخ أمامه ويتفاعل معه من خلال الدمى والشخصيات والحوار.
استخدام الدمى والعرائس في سرد التاريخ الاجتماعي للأطفال كان من أجمل عناصر العرض، إذ تحولت الأحداث والحقائق والمعلومات عن طرائق العيش في الكويت قديما إلى تجربة بصرية حية، فالطفل بطبيعته يميل إلى شخصيات الدمى ويتعلق بها ويتعاطف معها، ومن خلالها يستطيع أن يستوعب القيم الإنسانية التي تحملها الحوارات والمواقف، فيتعلم من دون أن يشعر بأنه أمام درس تاريخي مباشر.
والجميل في هذا العمل أن الهدف الأول هو الإمتاع، مع جعل التعلم تجربة تفاعلية، فالمعلومة تأتي ضمن الحكاية، والشخصية تقود الطفل إلى الفكرة، والمشهد يفتح أمامه نافذة على زمن لم يعشه، لكنه يستطيع أن يتخيله ويتعرف إلى تفاصيله.
وحرصت الكاتبة هدى الشوا، انطلاقا من اهتمامها بأدب الطفل، على تطوير الوعي التاريخي والثقافي لدى الجيل الحالي من خلال استلهام البيئة المحلية في السرد القصصي، ولهذا يشاهد الطفل في العرض ملامح من مدينته في الماضي، الفريج، والبيوت الطينية، والسوق، والسور، إلى جانب حيوانات من البيئة المحيطة وشخصيات تشبه تلك التي عرفها المجتمع الكويتي قديما. وهنا تكمن قيمة العرض الحقيقية، فهو لا يقدم التراث بوصفه شيئا بعيدا أو مجرد صور محفوظة في الكتب، بل يجعله جزءا من الحكاية التي يعيشها الطفل على المسرح، وعندما يرى الطفل المكان والشخصيات والبيئة التي ينتمي إليها، يصبح الماضي أكثر قربا منه، ويبدأ في فهم جذوره، وربط ما كان عليه أهل الكويت بالأشياء التي يعيشها اليوم.
وتدور أحداث المسرحية التي قدمتها شركة الطاقة الابداعية، حول سور الكويت وبواباته ودوره في حماية المدينة وأهلها، حيث كانت الأبواب تغلق ليلا وتفتح صباحا، في صورة بسيطة لكنها تحمل الكثير من تفاصيل الحياة اليومية في الكويت قديما. ومن خلال هذه الفكرة، يتعرف الطفل على معنى الحماية والمسؤولية، وعلى شكل الحياة داخل المدينة في ذلك الزمن.
كما أن اختيار «جمل صغير» محورا للحكاية يمنح العمل بعدا إنسانيا لطيفا، فالمسؤولية التي يتحملها الصغير، وعلاقته بمن حوله، تجعل القصة أقرب إلى الطفل، وتمنحه فرصة ليرى نفسه في الشخصية ويتعلم معها معنى التعاون وتحمل المسؤولية والانتماء.
«جمول حامي السور» تجربة مسرحية جميلة لأنها تعرف كيف تجعل التراث حكاية، والتاريخ صورة، والتعلم لعبة ممتعة، وعرض يفتح للأطفال بابا إلى كويت الماضي، من دون أن يثقل عليهم بالمعلومات، ويترك في داخلهم شيئا أجمل من المعلومة نفسها شعورا بالانتماء والفضول والرغبة في معرفة الحكايات التي صنعت المكان الذي يعيشون فيه اليوم.
وهذا ما يجعل وجود مثل هذه الأعمال ضمن مهرجان صيف ثقافي 18 أمرا مهما لأن الطفل حين يتعرف إلى تاريخه من خلال المسرح، لا يحفظ الماضي فقط، بل يبدأ في محبته وفهمه والشعور بأنه جزء من حكايته.
ورغم أن المسرحية موجهة للأطفال فإن رسالتها تصل للكبار أيضا، فهي تذكرنا بأن المسؤولية لا تأتي دائما مع العمر، وأن الطفل يستطيع أن يتعلم معنى الأمانة، وحماية ما يخصه، والاعتماد على نفسه، من خلال موقف بسيط وقصة ممتعة. ومن أجمل ما في العرض أنه يربط الطفل ببيئته وتراثه، ويعرفه على صورة من صور الحياة في الكويت قديما، لكن بأسلوب مسرحي معاصر وخفيف. وهذا النوع من العروض مهم جدا، لأنه يجعل المسرح مساحة للمتعة والتعلم في الوقت نفسه.
«جمول حامي السور» ليست مجرد حكاية عن جمل صغير ومهمة يقوم بها، بل حكاية عن طفل يتعلم أن لكل مرحلة مسؤولياتها، وأن الشجاعة ليست في القوة فقط، وإنما في تحمل المسؤولية والقيام بالدور المطلوب منه.