Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (15)
ثورات الألوان.. طريق بدأ ولن ينتهي
29 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء






«خطة مارشال» مهدت لأكبر ثورة سياسية في العصر الحديث
بقلم: محمد الحسينيلم تكد الحرب العالمية الثانية تنتهي بعد هزيمة هتلر حتى علت الأصوات المطالبة بفرض عقوبات قاسية على ألمانيا المهزومة والمقسمة كالعقوبات التي فُرضت عليها بعد الحرب العالمية الأولى والتي وصفت حينها بـ «العقوبات القرطاجية» نظرا لشدة وطأتها ونسبة إلى العقوبات التاريخية التي فرضتها روما على قرطاجة بعد هزيمتها في نهاية الحروب البونية. لكن كان هناك رجل له رأي آخر، رأي نابع من قناعة الدوائر السياسية في الولايات المتحدة بضرورة الاتعاظ في أن العقوبات التي تلت الحرب العالمية الأولى هي التي أدت الى صعود هتلر، وعدم انتهاج فكرة العقوبات.
كان هذا الرجل الجنرال جورج مارشال وزير الخارجية في عهد الرئيس ترومان ورئيس أركان الجيش خلال الحرب العالمية الثانية واستوحى مشروعه من خطاب لسلفه وزير الخارجية جيمس بيرنز ألقاه في شتوتغارت في 6 سبتمبر 1946 بعد يوم على استسلام اليابان للولايات المتحدة قال فيها إن الولايات المتحدة ملتزمة بواجباتها الدولية تجاه ألمانيا وأوروبا لأننا نعيش في عالم واحد ولا نستطيع عزل أنفسنا.
كانت أميركا تستشعر الخطر السوفييتي ـ الشيوعي المتصاعد وتدرك تناقضه في الجوهر مع قيم الغرب الديموقراطي الليبرالي فأرادت الاستثمار في خلق جبهة عالمية تشاركها القيم وتساعدها في ممارسة دورها القيادي.
تتمحور خطة مارشال حول تقديم الولايات المتحدة استثمارات مالية تجمعها من دافعي الضرائب الأميركيين إلى حلفائها مقابل التعاون السياسي والاقتصادي معها.
مهدت الخطة إلى نشوء نواة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وظهّرت صورة الغرب الذي خاض طيلة 5 عقود صراعا حسمه لمصلحته بمواجهته الكتلة الشرقية التي تفككت في النهاية تباعا.
سلسلة من الثورات السلمية أو «شبه السلمية» اصطلح على تسميتها بثورات الألوان نظرا إلى طابعها الكرنفالي الذي يعلو فيه صوت الشعب المتضامن الذي يخرج كتلة واحدة تعجز أمام صرختها السلمية المدافع.
استمد هذا النوع من الثورات مشروعيته من اتساع ثقافة حقوق الإنسان بفضل التطور التكنولوجي والانفتاح الإعلامي بشكل خاص والتي تستند بشكل أساسي الى الشعب الذي هو «مصدر السلطات»، يضاف إلى ذلك اتساع التزام المجتمع الدولي بدوره في ممارسة الضغوط على الأنظمة القمعية.
ثورات الألوان في حقبة الانهيار السوفييتي استمدت بدورها جذورها من حركات أقدم منها «ثورة الشعب» في الفلبين التي تحدثنا عنها وثورة القرنفل في البرتغال 1974 وسيرة مفكرين ونشطاء ودعاة كبار وأشهرهم تورو وغاندي ومارتن لوثر كينغ وغيرهم إضافة إلى أحداث 1961 في فرنسا وتردداتها العالمية.
بعضها نجح في إحداث تغيير جذري في حياة الشعوب السياسية والاجتماعية والاقتصادية كما حصل مثلا مع دول البلطيق التي انضمت اليوم لعضوية الاتحاد الأوروبي وفي دول أخرى كانت مجرد مرحلة وقتية لم تحدث تغييرا جذريا كتجربة جورجيا وأوكرانيا وقد أشرنا لذلك أيضا وبالمقابل هناك حركات فشلت كالثورة الخضراء في إيران التي حاولت التصدي لما وصفته بالتزوير في انتخابات الرئاسة التي منحت محمود أحمدي نجاد ولاية ثانية على حساب مير حسين موسوي عام 2009، الحركة الخضراء خبت لكنها لم تندثر وقد تعود للظهور ما لم تتم معالجة المشاكل التي يشكو منها الشباب الإيراني.
الأمر نفسه في أذربيجان حيث ظهرت حركة «ييني فيكير» الشبابية أو (فكر جديد) عام 2005 كما ظهرت مجموعة «يوكس» ومعناها لا.
وفي روسيا البيضاء لايزال الرئيس الكسندر لوكاشينكو قابضا على السلطة لكن البيلاروسيين خرجوا إلى الشوارع في 2005 محاولين قيام بتحرك مشابه لثورة التوليب في قيرغيزيا لكنهم قُمعوا وكذلك قمعت مظاهرات للمعارضة في 2008 في «ساحة أكتوبر» في مينسك.
وهكذا نجد أن المشهد يتكرر: خروج سلمي إلى إحدى الساحات الكبرى، شعار، لون أو رمز، الاستفادة من سقوط ضحية خاصة إذا كان سقوطها ذا بعد إنساني كأن تكون امرأة أو طفلا أو رمزا لتضحية ما، التواصل مع وسائل الإعلام العالمية والاستفادة من التكنولوجيا بشكل متصاعد، التواصل مع المنظمات الدولية وتلقي التدريب منها وإعداد الكوادر والنشطاء القادرين على مواجهة النظام.
هذا الواقع ينطبق أيضا على كل من اليمن وسورية وعدد من الدول الأخرى التي تشهد تحركات شبابية ولم يتضح ما ستؤول إليه من نتائج بعد.
وبات ملاحظا أن ثورات الألوان والربيع الحاشدة لم تعد مجرد تحركات في وجه تزوير انتخابي أو نظام قمعي بل تعد سبيلا للاعتراض على الفساد الاداري أو سوء إدارة الحكومات على المستوى السياسي والاقتصادي حتى لو كانت تحظى بأغلبية تؤمن لها بقاءها في السلطة وهذا ما شاهدناه بالتزامن مع الربيع العربي في كل من اليونان وإسرائيل واسبانيا وتشيلي في مؤشر على أن هذا النوع من الاحتجاجات أصبح طريقا مفتوحا للجميع.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث
الحلقة الرابعة: بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا
الحلقة الخامسة: ثورة أوكرانيا البرتقالية.. أنشودة ديموقراطية عابرة؟
الحلقة السادسة: سقوط جدار برلين.. ثورة الثورات
الحلقة السابعة: «الثورة الصفراء».. «قوة الشعب الأولى» أنهت 20 عاماً من ديكتاتورية ماركوس في الفلبين بشعار «ارحل».. واللون الأصفر
الحلقة الثامنة: «ثورة الطناجر» في الأرجنتين أتت بـ 5 رؤساء في أسبوعين
الحلقة التاسعة: أحداث 1968 في فرنسا..«منع الممنوع»
الحلقة العاشرة: «ثورة التوليب».. الثوار أطاحوا بالرئيس ثم اختلفوا
الحلقة الحادية عشرة: «الديكتاتورية» و«نيّة التوريث» أطاحتا بتشاوشيسكو ديكتاتور رومانيا في ثورة 1989
الحلقة الثانية عشرة: تونس.. الشعب يريد
الحلقة الثالثة عشرة: مصر.. ثورة الفيسبوك
الحلقة الرابعة عشرة: إذا كان من أبوين للنضال السلمي فهما غاندي ومارتن لوثر كينغ