Note: English translation is not 100% accurate
النغيمش قدم محاضرة «أرجوك اسمعني» لموظفي «الأنباء»: الفضول الإيجابي أصل التعلم والتجربة .. والإنصات يحيي فضيلة منسية
8 يناير 2013
المصدر : الأنباء








فن الإنصات يجلب للمرء الهيبة والوقار واحترام المحيطين به
الإنصات بحاجة إلى تركيز وتفاعل ومحاولة صادقة لفهم المتحدث
التحدث فعل يتطلب ترتيب الأفكار وسردها بطريقة تناسب المتلقي
لنمنح الآخرين فرصة التحدث ولنبتعد عن الاستفاضة في الحديث عن الذات
الاستماع مرحلة تسبق الإنصات والمنصت يعبر عن استغراقه بشدة الانتباه
معظم حواراتنا التي تستنزف طاقاتنا هي بسبب عدم تفريقنا بين الرأي والحقيقةأعدها للنشر - محمد راتب
كثيرا ما نستمع إلى الآخرين فتلفت انتباهنا طرقهم ومشاربهم المختلفة في النطق والطريقة التي يتعاملون بها مع الكلمات، ومن المؤكد أننا لا يمكن أن نتفق على فهم واحد لكثير من القضايا التي تطرح أمامنا، فثقافة العرب الشفهية جعلتهم يتحدثون أكثر من أن يكونوا من المنصتين، ولكن في المقابل هناك انعكاس واضح بأنه لو لم يكن هناك منصتون جيدون لما كان بيننا متحدثون أكفاء وخطباء أجلاء.
كثيرة هي المشاكل التي نقع فيها بسبب عدم فهمنا للآخرين، وقد نعي الأمور بغير الوجهة التي أرادها المتكلم، وهذا يعزز ضرورة التعرف على فن الإنصات، واكتشاف الآخرين وتطوير الفهم الذاتي للعالم الخارجي، فبالقدر الذي نتحدث فيه لابد من أن ننصت، لأن ذلك هو المدخل الأكثر جذبا للمعلومة والأكثر أهمية لتطوير الحواس كلها.
«أرجوك اسمعني» محاضرة ألقاها الكاتب المتخصص في الادارة محمد النغيمش في مبنى جريدة «الأنباء» دعا خلالها الى الإنصات الجيد ليكون الجميع محبوبا من الآخرين، وقد شهدت المحاضرة إنصاتا مميزا من الحضور الذين تقدمهم رئيس التحرير الزميل يوسف خالد المرزوق ومستشار الادارة العامة الزميل يوسف عبدالرحمن ومدير التحرير الزميل محمد الحسيني ووفد من أعضاء طاقم ادارة التحرير والعاملين في الادارات الأخرى والذين عبروا عن سرورهم للإنصات الذي مارسوه والمعلومات التي أغنت عقولهم ومنحتهم القدرة على ممارسة فن من أهم الفنون بطريقة صحيحة.
بدأ النغيمش محاضرته التي أطلق عليها اسم «الأمسية التدريبية» باختبار مستوى إنصات المشاركين عبر اختبار عملي، وقد علق على تدني مستوى النتائج بأنه أمر طبيعي يحدث في كل الدورات التي يقدمها، مشيرا الى أن الكثيرين لا يدركون المعنى الحقيقي للإنصات، الذي يقصد منه أن يتفرغ الشخص بكليته وينصت الى محدثه بكامل جوارحه حتى يفهم ويتفاعل معه.
وقال ان كثيرا من الناس لا يفرقون بين الإنصات والاستماع والإصغاء والسماع، فالسماع مثلا هو حاسة من الحواس الخمس التي تحتاج الى طبيب، ولست الشخص المناسب للحديث عنها لأنني في هذا المقام أتحدث عن مهارة الإنصات وشتان ما بين الاثنين، على حد قوله، مضيفا أنه عندما يشعر الانسان بصعوبة في النطق أو السمع فانه يذهب الى طبيب متخصص، وليس الى متخصص في تنمية المهارات الحياتية، فكل مهارة يمكن تطويرها والتفوق بها اذا ما وجدت القدرات والحواس المناسبة التي تخدم ذلك.
الإنصات والاستماع والإصغاء
أما فيما يتعلق بالفوارق المميزة للإنصات عن الاستماع والإصغاء فقال: ان الإنصات والإصغاء وجهان لعملة واحدة، فمن يوصف بأنه منصت أو مصغ الى حديث ما فانه يستخدم كل حواسه لمعرفة ما يريد المتحدث أن يوصله اليه، أي يتعمد فعل ذلك ليفهم الحديث ويتأمله بتركيز تام ليتفاعل معه، موضحا أن الإصغاء يزيد على الإنصات بأنه ميل الانسان بجسمه أو برأسه نحو المتحدث».
وأضاف بأن المنصت هو من يتجنب مقاطعة المتحدث ما أمكنه ذلك حتى يساعده على الاسترسال والشعور بالراحة أثناء حديثه، وهذا الأمر يعود بالنفع على المنصت أو المصغي، اذ يرفع عنده مستوى الفهم والتركيز، ويضفي على علاقته بالمتحدث مزيدا من الألفة والاستمتاع.
وذكر النغيمش أن الاستماع أو السماع يختلفان عن الإنصات والإصغاء من عدة أوجه، فمن يقال انه سمع أو يستمع فليس بالضرورة أنه في كامل تركيزه مع ما يسمعه، فقد يسمع شخص أطراف حديث مرتفع من الغرفة المجاورة أو يسمع صوت تلفاز بعيد، كما قد يستمع أحدنا الى برنامج اذاعي في أثناء انشغاله بقيادة السيارة، مشيرا الى أن من يستمع أو يسمع فليس معناه أنه ينصت أو يصغي وهو بكامل وعيه وتركيزه الى الحديث الذي يتنامى الى سمعه.
وأشار الى أنه يمكننا القول ان الاستماع مرحلة تسبق الإنصات فاذا شد انتباه المستمع أمر ما شرع بالإنصات اليه، كأن يستمع أحدنا الى نشرة أخبار وعندما يسمع خبرا مفزعا أو مفرحا عن بلده فانه ينصت و«كأن على رأسه الطير»، مؤكدا أنه بالنظر الى ملامح هذا المنصت يستطيع المرء أن يعرف شدة تركيزه، وهذا ما ندعو اليه في علاقاتنا مع الآخرين لنحيي فضيلة الإنصات المنسية في مجتمعاتنا.
البرامج الحوارية
وذكر النغيمش أن بعض البرامج الحوارية في الفضائيات العربية تقدم نموذجا سيئا للحوار العربي، وبعضها يعكس واقع الحال المتردي الذي نشهده في كثير من الحوارات الاجتماعية والرسمية التي تظهر من خلال الفوضى الحوارية وقيام أكثر من شخص بالتحدث في وقت واحد مما يسبب أصواتا مزعجة.
وشدد على أنه لا يمكن أن يتحدث الشخص وينصت في آن واحد، فالإنصات يحتاج الى تركيز وتفاعل، ومحاولة صادقة لفهم المتحدث، مشيرا الى أن لحظات التحدث هي فعل آخر يتطلب ترتيبات سريعة للأفكار وسردها بطريقة تناسب الشخص المتلقي، مع التركيز على ملامح وجهه للتأكد من مدى تفاعله واهتمامه بالموضوع، وهذا ما يدفع البعض الى تغيير الموضوع الى آخر يهم المنصتين.
التحدث عن الذات
وخلال المحاضرة أكد النغيمش أن هناك قضية بالغة الأهمية لا يلتفت اليها الكثير من الناس في أثناء حواراتهم وهي: التحدث عن الذات، فالانسان عندما يتحدث عن نفسه أو عن الأشياء التي تهمه يدخل في منطقة ينخفض فيها اهتمام المنصت في الموضوع، وهذا الأمر يتسبب في الملل، ويدفع المنصت للبحث عن موضوع بديل أو الانشغال لا شعوريا بأمور أخرى كالهاتف أو شاشة التلفاز، وخصوصا اذا كان الموضوع لا يهم المنصت أو أن المتحدث لم يمنح المنصت فرصة المشاركة والسؤال.
وشدد على أن البحث عن موضوع بديل أو اللجوء للانشغال بأمور أخرى أو الالتفات عن المتحدث الذي أبى الا أن يستأثر بالحديث عن ذاته ناسيا أن الحوار مثل مباراة كرة القدم لابد أن نمنح الفرصة للآخرين ليشاركوا فيها، وفي الوقت نفسه لا نسمح لأنفسنا بأن نفسد اللعب لأن كل هذه الأمور تفسد أي مباراة أو بالأحرى أي حوار سواء كان اجتماعيا أو رسميا، هي أمور بحاجة الى انتباه المتحدث وعدم الاسترسال فيها.
تدريب شخصيات مختلفة
وقال النغيمش خلال المحاضرة انه درب عددا كبيرا من الاعلاميين والقانونيين والمهندسين والديبلوماسيين والعاملين في بيئات الأعمال التجارية الأخرى فوجد أن هناك قصورا واضحا في مستوى الإنصات، وذلك من خلال نتائج بعض التمارين العملية التي قام بها، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بكيفية اختيار الموضوع، مبينا أن البعض يعتقد أن الحوار أو الموضوع الذي يختاره الفرد يمكن أن يبدأه في أي لحظة، وهذا من أكبر الأخطاء الحوارية، لأن لكل مستمع حالة نفسية يكون مستعدا فيها، وتتضح من ملامح وجهه، ومدى اقباله على محدثه، وكثرة الأسئلة التي تعني في كثير من الأحيان أنه مهتم بالموضوع.
الموضوعات الهامة
ولفت الى ان أفضل طريقة أو موضوع بامكان الشخص بدء الحوار به هو تلك الموضوعات التي تهم المنصت، ولاسيما التي تشغل ذهنه، وهذه الطريقة ذكية لكسب تفاعل المنصت في أول لحظة من اللقاء، ويفضل أن نترك للمتحدث أكبر قدر ممكن من التفاعل حتى لا تفتر حماسته، ولا نخرج من دائرة اهتماماته الا عند الحاجة الى ايصال معلومات مهمة مثل طبيعة موضوعات المدير مع مرؤوسيه وما شابه ذلك.
الرأي والحقيقة
وعرج النغيمش الى قضية في غاية الأهمية وهي عدم تفريق الناس بين الرأي والحقيقة في أثناء حواراتهم الرسمية وغير الرسمية، ضاربا على ذلك مثالا بقوله «ان الفرد عندما يقول ان القاهرة أجمل من طرابلس فليس هناك مبرر لتتم مهاجمة الشخص وتسفيه رأيه، لأنه في حقيقة الأمر يعبر عن رأي خاص وليست حقيقة مجردة، مستدركا بأن الحقيقة هي عندما يقول ان طرابلس عاصمة المغرب فهنا يقع المتحدث في خطأ يجب تصحيحه، لأنه يحاول أن يبني الحوار على معلومة خاطئة.
وتابع بأن معظم حواراتنا التي تستنزف طاقاتنا وتولد خصومات عنيفة هي بسبب عدم تفريقنا بين الرأي والحقيقة، فأين المشكلة في تركنا الشخص يعبر عن رأيه في الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وينتقدها بحدة ما دام يعبر عن رأيه، مبديا استغرابه من تحول الاختلاف في وجهات النظر الى خلاف حاد يولد خصومة كبيرة، وهذا ما نشهده في مجلس الامة والنقابات وبين أفراد البيت الواحد وهو ان دل على شيء فانما يدل على أننا لم نعلم أطفالنا منذ نعومة أظفارهم الفرق ما بين الرأي والحقيقة، وأهمية احترام الرأي الآخر وعدم تسفيهه ما دام الانسان يعبر عن رأيه.
ثقافة الاختلاف
وأردف قائلا ان كل المجتمعات الانسانية بنيت على ثقافة الاختلاف، ولولا الاختلاف لبارت السلع والخدمات والأفكار، ولصارت بيوتنا وشوارعنا ومبانينا كلها متشابهة، لأننا لا نجد أحدا يختلف معنا، وعليه فلابد من أن ندرك أن ما نسمع من آراء مختلفة لابد من أن نمنحها آذانا صاغية تحترم قائلها، فكم من رأي لم يعجبنا ما لبثنا أن وجدناه رأيا سديدا.
ضعف الإنصات
ولفت النغيمش الى قضية اعتبرها «شائعة بين الناس» وهي الاعتقاد بأن الإنصات ضعف، مؤكدا أن هذه النظرة غير صحيحة، لأن المنصت هو الذي قرر أن يكون منصتا بملء ارادته، ولا يمكن بأي حال من الأحوال ان يعمر العالم من دون الإنصات فلابد منه للاجابة عن الكثير من الأسئلة والوصول الى المعلومة.
ثقافة التحدث
وبين أن ثقافة حب التحدث متأصلة في الشعب العربي، فهو من الشعوب القليلة التي قدمت أفضل تكريم لأفضل المتحدثين، كأولئك الذين علقت أشعارهم على أستار الكعبة، ولم نسمع عن شخصية عامة كرمت لأنها كانت تتحلى بفن الإنصات، وما يجلبه للمرء من هيبة ووقار واحترام المحيطين به، مشيرا الى أنه عندما ندرك هذه الحقيقة نفهم لماذا يتدافع من يفهم ومن لا يفهم ليدلي بدلوه في كل شاردة وواردة في العمل السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري، وكأن الانسان لدينا يجب أن يفهم في كل شيء، واذا لم يجب فان ذلك نقيصة فيه.
وأبدى اعجابه ببعض الشعوب ولاسيما الغربية منها، التي يجلس كثير من أفرادها وينصتون بشكل جيد ليتعلموا الأمور التي تنقصهم والمعلومات التي لا يعرفونها فنجد فيهم من يعيروننا آذانا صاغية، وهنا تجدر الإشارة الى أمر في غاية الأهمية وهو أن الإنصات أفضل طريقة للتعلم، ولو أدرك الفرد هذه الحقيقة لما تسرع في الدخول في النقاش قبل أن يتعلم أكبر قدر ممكن من المتحاورين، ولذلك أقول دائما ان كل انسان في العالم لديه على الأقل معلومة واحدة فقط لم نسمعها، ولذا يجب أن ننصت بكل جوارحنا لتعلمها.
وزاد ربما يتساءل سائل كيف أنصت الى أناس مملين أو ثرثارين؟ وأجاب بأن الأمر يتطلب منحهم الفرصة للتعبير عما يجيش في خواطرهم، فهم بشر مثلنا يتطلعون الى من يسمعهم ولكن طريقتهم مختلفة عنا، وهذه مسألة مهمة فلا يستطيع أحد أن يغير الآخرين، الا عندما يقوم الآخر بتغيير نفسه.
واستدرك قائلا لكن هناك طرقا يمكن فيها التهرب من النقاش الذي ندرك سلفا أنه ليست له قيمة أو أنه عبارة عن محاولة بحتة لتضييع الوقت في أمور لا قيمة لها، وذلك من خلال التعذر بموعد سابق أو فتح الهاتف واستقبال المكالمة للرد عليها في محاولة مقصودة للهروب من نقاش أفراد لا يحترمون المنصتين ولا يحسنون اختيار كلماتهم ولا موضوعاتهم.
أسباب الإنصات
وعن أسباب الإنصات تحدث النغيمش فبين أن الانسان ينصت لأسباب عديدة، ففضلا عن رغبته في التعلم فانه ينصت ليقارن بين شيئين أو رأيين اثنين قبل أن يقدم على اختيار الأفضل منهما، ولذا فان القاضي لا يمكن أن يصدر حكمه قبل أن يسمع الجانبين وحجتيهما، اضافة الى ذلك ينصت الفرد ليقيم موقفه أو رأيه المسبق تجاه موضوع ما بعد أن يسمع آراء آخرىن، فالكثيرون تغير مجرى حياتهم بعد أن قرروا أن ينصتوا الى الآخرين بتجرد وبرغبة صادقة للفهم وتقييم ما توصلوا اليه من انطباعات أو آراء.
وأضاف أن الانسان ينصت الى الآخرين لأنه يريد أن يبدي اهتماما بهم، فلا يمكن أن أشعر الطرف الآخر باهتمامي ما لم أنصت اليه، اضافة الى أن الفضول هو أحد الدوافع التي تدعونا الى الإنصات، وهذا ليس أمرا سلبيا كما يعتقد البعض، لأن الفضول هو أصل التعلم والتجربة، فكل من حرم الفضول لم يتقدم خطوة في حياته، ونقصد هنا الفضول الايجابي وليس الفضول التجسسي على أسرار الناس.
وأشار الى أن أسئلة الفضول كانت وراء أعظم الاختراعات، ولولا إنصات الانسان واستجابته لهذا الدافع الداخلي، ولولا أن هذا الفضولي المبدع لقي آذانا صاغية لما وجد أحدا يحتضن اختراعه، فكل المخترعين على مر التاريخ ساهم دافع الفضول الذي حظي بآذان صاغية بأن رأت مخترعاتهم النور.
فخ عدم الإنصات
وأوضح أن مشكلة الوقوع في فخ عدم الإنصات تكمن في أننا لا ننتبه الى الخطوات الثلاث الرئيسية في التواصل وهي: سماع الرسالة، وفهمها، ثم الرد عليها، فالمرحلة الثانية وهي مرحلة الفهم هي التي تشهد معظم مشاكلنا في الإنصات، فهناك من يخجل أن يطلب من المتحدث أن يعيد ما لم يسمعه جيدا أو أنه لا يوجه الى المتحدث السؤال المناسب الذي يمكن أن يفهم منه ماذا يريد أن يصل اليه.
واشار الى ان التركيز هو مسألة مهمة في الإنصات، يمكن تنميته بالمران المتواصل وبايقاظ كل الحواس وتوجيهها نحو المستمع حتى نفهمه، فكثير من الأخطاء لا أعني المادية بل تلك المرتبطة بحياة الناس كانت بسبب عدم إصغاء الفرد جيدا ليفهم ما هو المطلوب منه، ضاربا مثلا عن ذلك بحادثة طيران شهيرة حدثت في مطار أوروبي عندما حدث سوء فهم بين برج المراقبة وقائد الطائرة أفضى الى حادث مأساوي أودى بحياة مئات الركاب.
وأكمل بأنه عندما توقع قائد الطائرة أن كلمة الموافقة (OK) التي سمعها من برج المراقبة كان المقصود منها الدخول الى مدرج الطائرات الذي كان يشهد لحظة هبوط طائرة أخرى، في حين أن برج المراقبة توقع أن القائد كان يسألهم ان كان يمكن أن يأذنوا له بالاقلاع، ولكنهم كانوا يقصدون أن يستعد للاقلاع في الموقف المحدد، لكن القائد دخل المدرج فحدث أحد أكبر حوادث التصادم في تاريخ الطيران المدني، آنذاك قبل ثلاثة عقود.
«لا تقاطعني» الكتاب الأول من نوعه في الوطن العربي
أحدث كتاب عن الإنصات ألفه الباحث محمد النغيمش، فاذا كنت تشعر بالضجر من كثرة مقاطعة الآخرين لحديثك؟ وسبق أن قال لك محاورك «أرجوك لا تقاطعني»؟ فان كان الرد بالايجاب، فأنت مدعو لقراءة كتاب «لا تقاطعني»، الذي يعد الأول من نوعه في الوطن العربي، من جهة تناوله لسلوك مقاطعة المتحدثين وتقديم حلول عملية للتعامل مع هذه المشكلة التي صارت منتشرة بكثرة في أحاديثنا اليومية، وعلى شاشات التلفزة الفضائية حتى تحولت بعض برامجنا الحوارية الى ما يشبه «صراع الديكة»، حيث لا يمكن أن تفهم ما يقال من شدة الفوضى الكلامية.
تناول الكتاب أيضا دراستين علميتين مهمتين، أجراهما المؤلف خصوصا لهذا الكتاب، وذلك بالتعاون مع رئيس قسم الاعلام بجامعة الكويت، حيث كانت الأولى عن البرامج الحوارية التلفزيونية العربية، تحت عنوان «سلوك مقاطعة المنصتين للمتحدث: حالة البرامج الحوارية العربية»، وقد أظهرت أن 25% من مذيعي الفضائيات العربية يقاطعون ضيوفهم، الأمر الذي يسبب ارباكا للضيف، ولم يكن الضيوف أفضل حالا حيث وصلت نسبة المقاطعة لديهم الى 70%، كما جاء في الدراسة أيضا أن الرجال أكثر مقاطعة من النساء بنسبة 88% مقابل 53%.
ويقول المؤلف انه أصدر الكتاب بعد أن لاحظ تدني مستوى الحوار في التلفزيونات العربية وغياب فضيلة الإنصات وهو ما أكدته نتائج فرضيات الدراسة، التي تناولت معلومات أخرى مهمة ومثيرة للاهتمام.
أما الدراسة الثانية فكانت بعنوان «سلوك مقاطعة المتحدثين للمنصتين: حالة مجلس الأمة (البرلمان في الكويت)»، وأظهرت أن أكثر سبب للمقاطعة هو الرغبة الملحة في «طرح سؤال» وذلك بنسبة 43% فيما كانت 5% بسبب الحاجة الى تغيير الموضوع أو التهكم على المتحدث، والمفارقة التي توصل اليها البحث هي أن 57% من المتكلمين الذين يتعرضون الى مقاطعة يستمرون في الكلام من دون توقف، أي أنهم لا يأبهون بمن يقاطعهم وهو ما اعتبره البحث سببا رئيسيا في احداث فوضى الحوار على الشاشة، ما قد يدفع المشاهدين الى الانصراف نحو فضائيات أكثر جاذبية في الحوار.
وتبين في الدراسة أن 82% من النواب والوزراء يبدون امتعاضا لفظيا عندما يقطع عليهم أحد حديثهم وذلك بالتفوه بكلمات استياء، كما بينت أيضا أن 67% من المتحدثين في البرلمان يتعرضون لمقاطعة حديثهم في أول دقيقتين، بمعنى أنهم يجدون صعوبة بالغة في الاسترسال في الحديث بأريحية.
وفي الكتاب موضوعات أخرى ممتعة مثل مصفوفة الحوار الممتع، والفوارق بين المقاطعة المحمودة والمذمومة وغيرها.
تكلفة مادية ضخمة لتجاهل الإنصات.. ونفتقد من يعلمنا هذا الفن
يقول محمد النغيمش ان هناك تكلفة مادية ضخمة لتجاهل الإنصات، ولكن ليست لدينا دراسات علمية توثق ذلك، وضرب مثلا عمليا على ذلك بقوله: لو افترضنا أن معدل ما يرمى في سلة المهملات من أكواب القهوة في مقاهي ستاربكس بسبب خطأ في الإنصات الى الطلب الصحيح من العميل كان 5 أكواب، وقيمة كل كوب 5 دولارات، وضربنا ناتج ذلك الـ 25 دولارا في 30 يوما، ثم ضربنا الناتج 750 دولارا في 8 آلاف مقهى في العالم تقريبا، فان معدل ما يهدر من أكواب بسبب عدم الإنصات الى الطلب يكون 6 ملايين دولار شهريا، ولو حسبنا ذلك سنويا لوصلت القيمة الى نحو 72 مليون دولار سنويا، هي قيمة ما تخسره سلسلة مقاهي ستاربكس.
وزاد: أن كثيرا من الشركات والمؤسسات تدفع الثمن غاليا عندما يتعلق الأمر باستهانة بعض الموظفين بضرورة الإنصات، فلو أن شركة بها 10.000 موظف، وأخطأ كل موظف خطأ واحدا في السنة قيمته 100 دولار فستدفع الشركة في نهاية العام مليون دولار قيمة التساهل بأهمية الإنصات، الذي أدى الى حدوث أخطاء من هؤلاء الموظفين عند تنفيذ ما طلب. وذكر أن الأمر نفسه يحدث في بيئات الأعمال عندما يعكف شخص لأيام على عمل تقرير ما طلبه منه مدير ثم يفاجأ بعد تسليمه بأنه لم يفهم مراد المدير، وأن عليه أن يعيد عمله، من هنا تتضح لنا أهمية أو تكلفة التهاون بأهمية حسن الإنصات جيدا، فالإنصات يمكنه أن يوفر علينا أموالا، ولكن لا يوجد باحثون يعلموننا كيف نستفيد من هذا الأمر.
ارتفاع مستوى الخوف يدفعنا إلى الإنصات
تحدث النغيمش خلال المحاضرة عن اننا ننصت لنتعلم ونحفظ ونتأكد من الأشياء، كما أننا ننصت عندما نخاف، فكلما ارتفع مستوى الخوف زاد الإنصات، فلم نر صدام حسين منصتا بقدر ما كان عليه عندما تلي عليه حكم الاعدام، لأن هذا الأمر ترتب عليه مصيره، ولذلك عندما يخطئ الموظف يتولد لديه شعور بالخوف.
الموظفون يقضون 55% من أوقاتهم في الإنصات للآخرين
ما علاقة الإنصات بالإدارة، بهذه الكلمات انطلق الباحث محمد النغميش في الحديث عن علاقة الإنصات بالإدارة فذكر أن الإنصات مهارة مهمة يدعو الى تعلمها علم الإدارة، وهو احدى أهم وسائل الاتصال ويقع تحت فرع التوجيه.
وأضاف أن الدراسات تؤكد أن الإنصات هو أكثر مهارات الاتصال استخداما في العمل، حيث يقضي الموظفون 55% من أوقاتهم في الإنصات الى الآخرين، مبينا أن تجاهل أهمية الإنصات في العمل يضيع على الموظفين ومديريهم فرصة تعلم أشياء جديدة أو ربما يدفع بعضهم الى تنفيذ خاطئ لأمر معين طلب منهم، لأنهم لم يحسنوا الإنصات.
أسئلة التشويق تلفت انتباه السامعين
طرح النغيمش سؤالا حول كيفية لفت انتباه المستمعين، وأجاب بأن هذا الأمر يحتاج الى العديد من الأمور فالامام أبو الحسن الندوي قال: الكتابة اذا خرجت من القلب تستقر في القلب، وكذلك الكلام الشفهي، فالبعض يتحدث وهو غير مقتنع بما يقول ويتوقع أن يقنع الآخرين أو يلفت انتباههم، ولكننا نقول له ان فاقد الشيء لا يعطيه.
وزاد: أن مما يلفت انتباه المستمعين أسئلة التشويق، كأن نقول هل سمعتم آخر خبر؟، اضافة الى قراءة كرات الثلج والتي هي أخبار الصفحة الأولى، التي تتدحرج حتى تتحول الى قضية رأي عام أو قضية مهمة، ولذا على المرء أن يكون مغناطيسا، لأن بعض الناس لا يكونون مهتمين الا اذا حاولنا شدهم الينا.
«المرأة تحب المنصتين»
هذا الكتاب ألفه الباحث محمد النغيمش ليمكن المرأة من فهم طبيعتها من خلال فهم نقاط قوتها وضعفها أثناء الإنصات، وهو مهم أيضا للرجل ليفهم طبيعة المرأة التي يتحدث اليها، فالعلم الحديث وجد أن هناك اختلافا بيولوجيا بين المرأة والرجل، ولكن لا نفهم ذلك الا من خلال الإنصات الى الطرف الآخر خصوصا اذا كنا لا نعرفه جيدا، فمن المؤكد أن القارئ لا يحتاج الى معلومات مسبقة عن محدثه، سواء كان رجلا أو امرأة، بل كل ما عليه هو أن يقرأ هذا الكتاب جيدا ويتدبر أفكاره ودراساته، وحلوله التطبيقية لكي يفهم كيف يتعامل مع الطرف الآخر. يحتاج الى قراءة هذا الكتاب كل من الموظف والمدير والقائد ليدركوا كيف يخاطبون الآخرين، كما تحتاج اليه المرأة لأنه يشرح لها الجوانب التي يعتبرها الرجل نقاط ضعف فيها، بينما هي في حقيقة الأمر نقاط قوة مهمة في التحاور مع الآخرين. يعتبر هذا الكتاب أول مصنف متخصص يتناول موضوع الإنصات الى النساء وفيه موضوعات عدة منها أهمية الإنصات في حياة المرأة، ينتقل بعده الى معالجة العلاقة ما بين المعروف عن ثرثرة المرأة ورغبتها فيمن ينصت الى حديثها، ولماذا تحب المرأة التحدث أكثر من الرجل، وغيرها الكثير من الموضوعات.
21 ألف كلمة تنطقها المرأة في اليوم الواحد
ذكر النغيمش أن دماغ المرأة مفطور على مراقبة الناس وفهم تصرفاتهم، والتأكد من أنهم بحالة جيدة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل المرأة ثرثارة؟ التجارب تقول ان المرأة فعلا ثرثارة، حيث وجدوا أنها تتحدث 21 ألف كلمة في اليوم الواحد، وترسل رسائل نصية أكثر، وهذا راجع الى هرمون ضبط المزاج، واندفاعها نحو التحدث.
المقاطعة آفة الحوار
يقول النغيمش ان المقاطعة هي محاولة قطع حبل أفكار الشخص من غير مبرر، ولها نوعان مذموم ومحمود، فمن سلبياتها للاعلاميين اطالة أمد الحديث فلو قاطعنا الشخص 5 مرات في حوار صحافي، وفي كل مرة 3 دقائق، فقد أطلنا أمد الحوار 15 دقيقة، فعندما نقاطع نحتاج الى دقيقة، والمستمع يحتاج الى دقيقة للرد، ومن ثم نحتاج الى دقيقة للعودة الى حيث كنا. وتابع: اذا كنت مستعجلا في الحوار فلا تقاطع، فكثرة المقاطعة تصرف أنظار المتحدثين، وهي مؤشر على عدم الاستمتاع، وتعطي انطباعا بعدم التركيز من قبل صاحبها مما يؤدي الى الاحراج، مشيرا الى أن السياسيين يستخدمون المقاطعة لاستدراج الخصم وضرب حصونه. وبين أن هناك 3 أخطاء شائعة في المقاطعة تتمثل في عدم التفريق بين الرأي والحقيقة، والتوهم بأن الإنصات ضعف، والمقاطعة في بداية الكلام حيث يعتقد البعض أن المقاطعة في بداية الحوار تؤدي الى ارباك الطرف الآخر، ومضايقته، مؤكدا أن الإنصات عبارة عن مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، ولا تستطيع أن تكسب الطرف الآخر الا عندما تعطيه الفرصة الكافية ليعبر عن نفسه، فالمقاطعة تقتل الحوار، وتدفع الطرف الآخر ليعاملك بالمثل.
المرأة كثيرة الأسئلة وتنجذب للأشخاص المتفاعلين مع أحاديثها
خلال المحاضرة التي ألقاها النغيمش استعرض معلومات علمية حول الاختلافات بين الرجل والمرأة في مسألة الإنصات فبين أن حواس المرأة مختلفة عن الرجل، فحاسة الشم عند المرأة قوية مما يولد لديها مشاعر وأحاسيس تدفعها للتحدث أو التفكير بصورة أكبر من الرجل، وعندما تم وضع مشاهد عاطفية وجد الباحثون أن مناطق العاطفة في جميع مناطق الدماغ موجودة لدى المرأة وهذا كله يدفعها الى التحدث فلا ينفصل حديثها عن الأمور العاطفية، أما عند الرجل فالأمر مختلف اذ لا تتحرك لديه الا منطقتان. وتابع بأن القدرة على استدعاء الصورة الذهنية لدى المرأة أفضل، وهي كثيرة الأسئلة، وهذا دليل على اهتمامها الكبير، وهي تفضل الأسئلة المفتوحة ماذا، ولماذا؟ لأنها تمنحها متسعا أكبر للتحدث من دون قيود فهذه الأسئلة ليست محددة الاجابة، وفي الوقت ذاته لا تفضل الأسئلة المغلقة كيف، أين ومتى؟ مشيرا الى انها أفضل طريقة يمكن أن نلجأ اليها عندما نريد أن ننهي الحديث معها أو عندما تريد هي أن تنهي الحديث مع رجل ثرثار. فالسؤال المغلق بطبيعته يجعل المستمع مضطرا لأن يرد باقتضاب أو باجابة محددة مثل أين كنت؟ متى كان ذلك؟ وعادة بعد طرح سلسلة من الأسئلة المغلقة يمكن للمحاور الذكي أن يغير وجهة الحديث، اضافة الى أن المرأة تنجذب للشخص الذي يتفاعل معها أثناء إنصاته اليها وهذا ما أكدته جامعة MIT في بوسطن في دراستها.
محمد النغيمش في سطور
٭ كاتب متخصص في الإدارة بصحيفتي «الشرق الأوسط» اللندنية و«القبس» الكويتية.
٭ كاتب أول زاوية عربية متخصصة بفن الإنصات وذلك في مجلة الرجل، وهي أول زاوية من نوعها في مطبوعة عربية.
٭ مؤلف كتب «أنصت يحبك الناس» و«المرأة تحب المنصتين» و«لا تقاطعني».
٭ حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال (MBA) من Maastricht School of Business.
٭ حاصل على بكالوريوس من قسم إدارة الأعمال بجامعة الكويت.
٭ عضو جمعية الإدارة الأميركية AMA
٭ عضو الجمعية الادارية الدولية AOM
٭ عضو جمعية الإنصات الدولية ILA التي تضم أبرز الباحثين في العالم بمجال الإنصات، ويعد النغيمش أول عربي ينضم اليها.
٭ شارك في العديد من البرامج التلفزيونية الحوارية على الهواء مباشرة، مثل برنامج «سيرة وانفتحت»، وعلى قناة العربية، وبرنامج «بيتك» على تلفزيون الكويت، وبرنامج «بالمختصر» على قناة «الوطن»، وبرنامج د.فوز في تلفزيون الراي للدكتورة فوزية الدريع.
٭ كتب في عدد من المجلات العربية.
٭ قدم العديد الدورات والمحاضرات العامة في الجامعات والمعاهد والمراكز التدريبية، والشركات الخاصة.
الدراسات العلمية
٭ دراسة «سلوك مقاطعة المتحدثين للمنصتين: حالة البرامج التلفزيونية الحوارية العربية». الدراسة تحت النشر في احدى الدوريات العربية المحكمة.
٭ دراسة «سلوك مقاطعة المتحدثين للمنصتين: حالة مجلس الأمة الكويتي (البرلمان)». الدراسة تحت النشر في احدى الدوريات العربية المحكمة.
٭ دراسة «عادات الإنصات عبر الهاتف لدى العرب» نشرت في مجلة ألو موبايل في شهر سبتمبر 2003م.