- مصير ماكرون الانتخابي مرهون بما سيقرره ناخبو اليمين التقليدي واليسار المتشدد
- لوبن «البراغماتية» قد تحقق «مفاجأة مدوية» باختراق مخالف لكل التوقعات والاستطلاعات
على الرغم من أن كل استطلاعات الرأي ترجح فوز مرشح الوسط ايمانويل ماكرون على منافسته زعيم اليمين المتطرف ماري لوبن في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة الفرنسية المقررة، غدا، إلا ان «المفاجأة» مازالت موجودة ومحتملة.
فاستطلاعات الرأي، تعطي تقدما واضحا لماكرون، وبفارق كبير، وبالتالي فإن المعركة تبدو شبه محسومة لصالحه، ويظهر ان «سيناريو» العام ٢٠٠٢ سيتكرر مجددا، حين حصلت الدورة الثانية بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك وجان ماري لوبن وحقق فيها شيراك فوزا كاسحا (٨٢ - ١٨% تقريبا) بعدما التقى اليمين واليسار لقطع الطريق على لوبن الأب، فأقامت سدا منيعا وحدثت «صحوة وطنية» من أجل الجمهورية وإنقاذها.
ورغم الواقع الذي يعلن ماكرون رئيسا جديدا لفرنسا وبفارق مريح، فإن هذا لا يعني أن الجولة الثانية ستكون «نزهة» وأن انتصاره سيكون سهلا، وأن فوزه سيكون ساحقا، فمازال هناك حيز لمفاجأة يمكن أن تحصل، وهذه، المفاجأة تتراوح بين خسارة مشرفة للوبن وتضييق الفارق والفجوة مع ماكرون الى مستويات متدنية (52 - 54% أو 48 - 46%)، ويمكن أن تصل الى إمكانية حصول مفاجأة مدوية واختراق مخالف لكل التوقعات والاستطلاعات.
وهذه المفاجأة المحتملة التي تراوح بين حد أدنى «تضييق الفارق» وحد أقصى «اختراق الفوز»، لا تستند الى التقديرات الخاطئة لمراكز استطلاعات الرأي التي لم يعد مجديا الركون إليها، وإنما الى جملة عوامل وأسباب وأبرزها: ثمة فارق كبير بين ظروف العام ٢٠٠٢ واليوم، وبالتالي فإن تكرار سيناريو «شيراك- لوبن» لن يكون بالأمر السهل والتلقائي.
فلا ماكرون «المغمور» هو «شيراك الرئيس»، ولا مارين لوبن مثل والدها، ولا «الجبهة الوطنية» اليوم مرفوضة ومنبوذة كما كانت قبل ١٥ عاما.
كما ان المرشح الاشتراكي اليوم ليس هو الخارج من الجولة الأولى (ليونيل جوسبان عام ٢٠٠٢) وإنما المرشح اليميني فرنسوا فيون.
ويرى المحللون السياسيون أن ٣ عوامل رئيسية تقف وراء صعود نجم اليمين المتطرف الذي تحول إلى ركن ثابت ومؤثر في الحياة السياسية الفرنسية.
وأول العوامل فشل العهدين المنقضيين (عهد الرئيس اليميني ساركوزي والاشتراكي هولاند) في معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لفرنسا.
أما العامل الثاني فيتمثل في النتائج السلبية للعولمة معطوفة على صورة الاتحاد الأوروبي السلبية الذي يسلب السيادة الفرنسية ولا يحمي المواطنين.
ويتمثل العامل الثالث في ارتدادات الهجرة والإسلام والإرهاب، وارتباطها بموضوع الهوية، وكلها عناصر تدفع المجتمع الفرنسي نحو اليمين المتطرف، أضف الى ذلك أن ماكرون لا يحظى بإجماع سياسي مماثل لذلك الذي خص به جاك شيراك، حين واجه لوبن الأب في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة لعام ٢٠٠٢، فآنذاك كان الحزبان، الاشتراكي و«الديغولي»، يسيطران على ثلاثة أرباع الناخبين، بينما تراجع المخزون الانتخابي لهذين الحزبين الكبيرين إلى أقل من ربع الناخبين حاليا، وهذا الأمر يحد كثيرا من فاعلية نداءات المرشحين المنهزمين، الداعية إلى التصويت لماكرون، ذلك أن الناخب المنضبط حزبيا بات يمثل أقلية ضئيلة جدا في الخريطة السياسية الجديدة التي أسفر عنها اقتراع الأحد الماضي.
2- من المرتقب أن تتزايد نسبة الممتنعين عن التصويت، الذين فاق عددهم في الجولة الأولى 10.5 ملايين، كذلك سيسهم في بروز فئة أخرى، ممن لا يريدون الاكتفاء بمقاطعة التصويت، بل يعبرون عن احتجاجهم من خلال «التصويت الأبيض»، وقد بلغ عدد هؤلاء قرابة مليون صوت (٦٦٠ ألف بطاقة انتخاب بيضاء، و٢٨٥ ألف بطاقة ملغاة)، ويرتقب أن تشكل ظاهرة الانتخاب الاحتجاجي، سواء عبر «الامتناع» أو «الاقتراع الأبيض»، علامة فارقة في جولة الحسم.
في المقابل، حققت ماري لوبن اختراق هام ين سيكون لهما دور حاسم في الاقتراع النهائي، وهما: الارتفاع القياسي لنسب المقاطعة والانتخاب الأبيض، ما يصب في صالحها بشكل غير مباشر.
3- مصير ماكرون الانتخابي مربوط بما سيقرره ناخبو اليمين التقليدي واليسار المتشدد، ولكن أنصار ماكرون يقلقهم عزوف مرشح اليسار الخاسر في الجولة الاولى ميلونشون عن الدعوة للتصويت له، ويعرفون أن الجناح المتشدد في حزب الجمهوريين لن ينساق لتوجيهات قيادة الحزب، وهم لم يهضموا بعد إخراجهم من المنافسة الانتخابية، وليس سهلا عليهم التصويت لصالح ماكرون الذي أمضوا الوقت في تهشيم برنامجه وصورته واعتباره امتدادا لعهد هولاند، ولا يجاهر كثيرون من أنصار فيون بتأييدهم لوبن ضمنا، خشية تعرضهم لانتقادات، لكن أحاديثهم تبدو وكأنها تخفي رغبة في الانتقام من ماكرون، باعتبار أنه أسهم في إقصاء مرشحهم، وبالإجمال، فإن نسبة كبيرة من الذين صوتوا لصالح فيون وميلونشون مازالت مترددة وغير واضحة.
4- يرى عدد متزايد من الخبراء والمحللين أن تراجع ماكرون في الاستطلاعات الأخيرة أمر مثير للقلق، فرغم ضآلة التراجع، إلا أنه لا يمثل سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، ذلك أن ٣٦% فقط من الناخبين يعتزمون التصويت لماكرون تأييدا لبرنامجه وأفكاره السياسية، في مقابل ٦٤% يعتزمون التصويت له اضطرارا، بدافع قطع الطريق أمام وصول اليمين المتطرف إلى الحكم، هذا المعطى يجعل مخزون ناخبي ماكرون، في الجولة الثانية من الاقتراع، شديدة الهشاشة.
مؤشر آخر يقوي هذا الانطباع، إذ بين الاستطلاع الأخير أن نسبة من يعتقدون بأهلية ماكرون لتولي الرئاسة تراجعت خلال أقل من أسبوعين، وهذه المفارقة تجد تفسيرها في الأخطاء التكتيكية المتتالية التي ارتكبها ماكرون منذ أن خرج متصدرا من الجولة الأولى، بدأ ذلك في «خطاب النصر» الذي ألقاه، بعد إعلان النتائج، حيث بلغ به الزهو بتفوقه إلى حد الاشتراط على الناخبين بالتصويت له في الجولة الثانية من أجل «تزكية برنامجي، وليس بدافع قطع الطريق أمام اليمين المتطرف».
وفي المقابل، بدت استراتيجية لوبن أكثر براغماتية، حيث توجهت بالدعوة، فور ظهور النتائج، إلى «عموم الشعب الفرنسي» من أجل قطع الطريق أمام فوز ماكرون بوصفه مرشح «العولمة المتوحشة والأوساط المالية المهيمنة».
5- إذا كان الفرنسيون عاقبوا الحزبين التاريخيين والتقليديين من جهتي اليمين واليسار بإخراجهما من الدورة الأولى للمرة الأولى في تاريخ فرنسا، وعبروا بذلك عن تصويت احتجاجي واعتراضي وعن «ثورة ديموقراطية» عبر صناديق الاقتراع، هل يعتبرون ماكرون هو البديل والأفضل؟! وفي هذا الصدد، يتساءل المعلق الأميركي في صحيفة «نيويورك تايمز» روجر كوهين: هل بمقدور متعلم في مدارس النخبة الفرنسية ومصرفي ووزير اقتصاد سابق في حكومة رئيس بلا شعبية، أن يفوز في زمن تفيض فيه مشاعر القرف والاشمئزاز والغضب الشعبي من السياسيين والأحزاب التقليدية؟ ويجيب بأن التهديد والخطر الأكبر الذي يواجه ماكرون الذي يطرح نفسه كوجه سياسي جديد، وهو جزء من المنظومة السياسية السائدة ونتاجها، أن يكون واثقا الى حد الاحتفال الصاخب بأن فوزه بالجولة الأولى يعني تلقائي ا فوزا في الثانية.
ماكرون وفقا لكوهين «يجب أن يفوز في جولة 7 مايو، لا أن يقف مكتوف اليدين بانتظار أن تخسر لوبن، وقال إن الهوة الساحقة التي تفصل بين مراكز المدن المعولمة والاقاليم المكبوتة والمهملة والتي تسببت في اهتزازات سياسية في بريطانيا والولايات المتحدة تلوح بل وتتجسد بوضوح في فرنسا أيضا، وهناك تلعب لوبن على أوتار أنين سكانها العاطلين من العمل والغارقين في أعماق الغضب.
ويرى محللون أن خشية الانقلابات المفاجئة تعبير صريح عن اضطراب سياسي تعانيه فرنسا بتآكل الثقة العامة في مؤسساتها الحزبية، التي تداولت السلطة على مدى نحو ستة عقود منذ تأسيس الجمهورية الخامسة.