لا تريد أوروبا القطيعة مع الولايات المتحدة، ولكن في الوقت نفسه متمسكة بالاستمرار في التعاطي التجاري مع إيران.
بيد أن أوروبا بشكل عام، آخذة بالاقتراب كثيرا من المقاربة الأميركية المتشددة للعلاقات مع إيران وفق تصور الرئيس دونالد ترامب لها.
لذا، فإن أوروبا تجد نفسها تسير على خطين متوازيين: الأول، التمسك بالاتفاق النووي وبالآلية التي تعمل باريس ولندن وبرلين على دفعها إلى الأمام. والثاني، عدم التردد في انتقاد إيران وإفهامها أن الأوروبيين يعون حقيقة ما تقوم به طهران في الملفات الخلافية.
وقد أصدر الاتحاد الأوروبي بيانا أمس يدين الصواريخ الإيرانية ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة.
وتأتي الخطوة الأوروبية بعد أربعة أيام من تدشين الآلية الخاصة «إنستكتس»، المسجلة في فرنسا برئاسة المصرفي الألماني بير فيشر المدير السابق لـ«كومرتس بنك» وإدارة مالية بريطانية، وتهدف إلى تسهيل التجارة بغير الدولار، وهو «إجراء سياسي لحماية الشركات الأوروبية»، وفق ما قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان.
وقال الثلاثي الأوروبي إنه يتوقع من إيران الإسراع في تنفيذ جميع عناصر خطتها للامتثال بمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي «فاتف».
الرد الإيراني لم يتأخر، فقد رفضت طهران رهن «الآلية الخاصة» للالتفاف على العقوبات الأميركية بامتثالها لمعايير «فاتف»، وأشارت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان إلى أن «الربط بين تطبيق هذه الآلية بشروط بعض الهيئات مثل (مجموعة العمل المالي) «غافي» هو أمر غير مقبول».
ولخصت مصادر ديبلوماسية أوروبية حال الآلية المالية التي تنوي هذه الدول إطلاقها في الأيام القليلة بالقول «إذا كانت إيران تعول علينا لتعويضها عن كل ما تخسره بسبب إعادة فرض العقوبات الأميركية عليها، فإنها ستصاب بالخيبة لأننا حقيقة غير قادرين على ذلك».
وفي أي حال، يرى الأوروبيون أن طهران لم ترد التحية بمثلها، أي إنها لم تلاق أوروبا، التي دافعت عن الاتفاق النووي من أجل تمكينها من الاستمرار في الاستفادة مما يوفره لها رغم العقوبات الأميركية، بـ«ليونة» في الملفات الأخرى.
وتقول مصادر ديبلوماسية أوروبية إن «الرسالة التي نوجهها لإيران هي أنه يتعين عليها، أن تبين عن رغبة وإرادة في وضع حد للعناصر الاستفزازية في برامجها الصاروخية، وأن تغير سياستها الإقليمية الراهنة، كما في سورية أو العراق أو اليمن أو لبنان».
ولمزيد من الوضوح، فإن هذه المصادر، تؤكد أنها نقلت إلى طهران الملاحظات الرئيسية الثلاث: الأولى تتناول «هيجان» طهران الباليستي، أكان لجهة تكثيف تجاربها أم للحصول على صواريخ أبعد مدى، وسعيها الحثيث لتصدير أو نشر صواريخها في اليمن أو سورية أو لبنان.
والملاحظة الثانية تتناول «تهديد بنى الدولة» في بلدان المنطقة، من خلال تشكيل ميليشيات شيعية، وتدريبها وتسلحيها وتمويلها، لنسف الدولة وإضعافها من الداخل كما في سورية ولبنان واليمن والعراق وغزة.
والملاحظة الثالثة هجومها الدائم على الوجود الإسرائيلي، ما يتحولها إلى دولة مارقة.
هذا ويعتمد مصير «خطة العمل الشاملة المشتركة»، أو الاتفاق النووي الإيراني، على سباق ثلاثي ضد الزمن: الولايات المتحدة تأمل في فرض أقصى الضغوط الممكنة على إيران في أسرع وقت ممكن على أمل أن ينهار اقتصادها، أما طهران فتريد أن تخفق إدارة الرئيس دونالد ترامب أو يتشتت اهتمامها بمستجدات أخرى أو خسارتها في انتخابات عام ٢٠٢٠.
وبالنسبة لأوروبا فإنها تسعى بدأب لزيادة الوقت في ساعة طهران مع العمل على تجنب تعميق الهوة بين ضفتي الأطلسي.
وبحسب تقرير موسع أصدرته «مجموعة حل الأزمات الدولية»، فقد كانت إدارة ترامب واضحة تجاه إثنين من جوانب سياستها في الشرق الأوسط: أن إيران مصدر مشكلات المنطقة، وأن العقوبات الأداة الأساسية للتصدي لها.
ويعتقد معدو التقرير، أن طهران تريد الانتظار لحين رحيل إدارة ترامب. وتسعى لتجنب استفزاز واشنطن، خشية أن يؤدي ذلك لرضوخ دولي لحملة ضغوط أميركية أو انتقام عسكري.
أما الاستراتيجية الأوروبية، فإنها تدور في جوهرها، بحسب التقرير، حول شراء مزيد من الوقت حتى يسود صوت العقل في إيران ويعود إلى سدة الحكم في واشنطن.
ومع هذا، اتضح أن هذا التوجه أصعب في تطبيقه عما كان متوقعا في البداية، فقد استفاقت أوروبا على حقيقة أن مؤسسات الدولة ليس بإمكانها فعل الكثير في مواجهة الهيمنة العالمية للدولار الأميركي.
من جانبهم، يواجه الإيرانيون صعوبة في التأقلم مع هذا الواقع. وذكر ديبلوماسي إيراني: «تملك أوروبا الإرادة السياسية، لكن ليس العملية كي تقف في وجه الولايات المتحدة».
في الواقع، إن الإجراءات التي اتخذتها أوروبا، ورغم أهميتها الرمزية، لم تقدم منافع عملية لإيران... سوى شراء الوقت.