محمد بدري عيد
أثارت العملية المحدودة التي قام بها حزب الله مؤخرا ضد دورية عسكرية اسرائيلية على الحدود مع لبنان، الجدل مجددا في الأوساط العسكرية والاستخباراتية داخل إسرائيل بضرورة إعادة النظر في مفهوم التهديد أو التحدي الوجودي الذي تواجهه الدولة من المنظور الاستراتيجي.
وأشار عسكريون سابقون من بينهم الميجور جنرال متقاعد جيرسون هاكوهين الرئيس السابق للأكاديمية العسكرية بالجيش الاسرائيلي، إلى أن التداعيات النفسية واللوجيستية والمخاوف الأمنية التي اثارتها عملية حزب الله والتي لم تسفر عن ضحايا بحسب الرواية الاسرائيلية، تشير إلى فشل جديد للردع العسكري التقليدي، وأن المنظمات من أمثال: حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزة، وغيرها من الميليشيات غير النظامية على الساحة السورية، قادرة على تهديد اسرائيل من خلال هضبة الجولان، وأن جميع هذه التنظيمات نجحت في فرض مبدأ جديد لردع اسرائيل عبر تحقيق «توازن الرعب».
ووفقا لهاكوهين في دراسة نشرها مؤخرا مركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية فإن «توازن الرعب» يتمثل في قدرة جماعات مسلحة وليس جيوشا نظامية على استهداف المدن الاسرائيلية كثيفة السكان، بما في ذلك تل أبيب وحيفا، بصواريخ دقيقة متوسطة وقصيرة المدى ذات قدرة عالية على اصابة اهدافها الاستراتيجية، بكل ما يعنيه ذلك من خسائر بشرية واقتصادية فادحة، ويشمل ذلك: المستوطنين في قلب اسرائيل، والبنية التحتية كمحطات الكهرباء والطاقة، والمقرات العسكرية، والقواعد الجوية، وغيرها.
وهكذا فإنه على الرغم من مرور 71 عاما ونيف على إعلان قيام إسرائيل فإنها - وباعتراف قادتها السياسيين والعسكريين- لاتزال تعاني حتى اليوم – ويبدو أن معاناتها ستظل مستمرة إلى أمد غير قريب- من مخاطر الزوال.
فلقد فشلت الترسانة العسكرية التقليدية وفوق التقليدية (الكيماوية والبيولوجية والنووية) التي تمتلكها إسرائيل وتعمل على تطويرها باستمرار، في تحقيق رؤيتها لأمنها القومي المطلق بل وحتى النسبي.
وكان قد ساد تفاؤل اسرائيلي مفرط - وإن كان صامتا - بزوال الخطر الوجودي لاسرائيل في ضوء ما أسفرت عنه التداعيات الأمنية والمجتمعية للانتفاضات العربية التي اندلعت شرارتها الأولى أواخر 2010 وبدايات 2011، وبرز إجماع في الدوائر السياسية والاستخباراتية الاسرائيلية بأن «الربيع العربي» بات «ربيعا إسرائيليا» من المنظور الاستراتيجي، بسبب تضاءل أي «تهديد وجودي» لإسرائيل.
غيرأن التطورات الميدانية اللاحقة، لاسيما على الجبهة الشمالية (سورية ولبنان)، أثبتت زيف هذه القناعة الاسرائيلية، وذلك باعتراف عدد غير قليل من الاستراتيجيين الإسرائيليين الذين رأوا أن هناك فشلا ذريعا للردع التقليدي في مواجهة منظمات عسكرية مثل «حزب الله» في لبنان وحركة «حماس» في غزة على سبيل المثال، والتي يمكنها خوض «حروب لا متناظرة» ضد الجيش الاسرائيلي بطريقة احترافية وخلال فترة زمنية وجيزة، مما يجعل هذه المنظمات عصية على الردع التقليدي.
ومن هذا المنظور، يرى الرئيس السابق للأكاديمية العسكرية بالجيش الاسرائيلي هاكوهين أن اسرائيل مازالت تواجه في 2019 خطر الفناء ولكن بشكل مختلف عما كان عند اعلان قيامها عام 1948.
فقبل 71 عاما كانت اسرائيل ترى أنها مهددة بعمل عسكري جماعي لجيوش نظامية عربية للقضاء عليها، لكن في 2019 أصبح التهديد الوجودي الجديد أشد خطرا، إذ باستطاعة جماعات مسلحة أقل من الجيوش أن تضرب العمق الاسرائيلي بل وتنذر بتدمير تل أبيب ذاتها بأدنى كلفة، في نفس الوقت الذي باتت اسرائيل عاجزة عن ردع تلك الجماعات تقليديا، ما يعني امتلاك هذه الجماعات ميزة ليس فقط ردع اسرائيل عن مهاجمتها وشل ذراعها العسكرية، بل وهو الأهم اخضاعها سياسيا وديبلوماسيا.