والدي الثاني بومجبل، يرحمك الله، تركتنا بالأمس ونحن بين التسليم بقضاء الله عز وجل وذلك الحزن شديد الوطأة في نفوسنا لمكانتك الرفيعة وأثرك البليغ في حياتنا، فقد كنت:
٭ أبا معلما للشباب الذين استقطبتهم للعمل معك في بيت التمويل في نهاية السبعينيات ومعظمهم كان في أعمار أبنائك، كانوا يستمعون إلى أب ودود وقائد حكيم، يتغافل عن أخطائهم، ويحثهم على تكرار المحاولة، لم تكن تعتب على من يخطئ، كنت تسأله عن عمله وإذا عجز عن الجواب أخبرته بلطف، وعندما يبدر منا شيء من تسرع الشباب كنت تتلطف بالمتسرع حتى يتنبه، لهذا انتقل للعمل معك من ترك وظائف برواتب أعلى والسبب هو أنك جعلت العمل «أداء رسالة عظيمة، بمعية أب حنون».
٭ وثقت بالشباب ورفضت استقطاب الأجانب، لم تلتفت الى استغراب الذين استغربوا، بل ولم تهتز أمام مسؤولية الأموال الضخمة التي انهالت على المؤسسة، قبلت التحدي بسبب ثقتك بالله عز وجل، ثم بهؤلاء الشباب، فتسابقوا لتحقيق حلمك الكبير، ونجحت في الاختبار حينما وصف بيت التمويل بـ «الجامعة.. في عمل البنوك الإسلامية»، كنت تقول لهم في عام 1984 «كل واحد فيكم يقدر يدير بنك».
٭ طورت علاقة مبتكرة بين العلماء في الشريعة الغراء والعاملين في الحقل المالي، يلتقون حول المسائل اليومية التي تواجههم، تقرأ لهم المذكرات وتشرح طبيعة المعاملة، وحسبما يقول د. خالد المذكور:«كنا نجده قد سبقنا الى قراءة الكتب الواردة الى اللجنة وقام بدراستها وكتابة ملاحظاته، الأمر الذي سهل مهمة الباحثين من العلماء لفهم السؤال وخلفياته التطبيقية ومن ثم تقديم الإجابة المناسبة».
٭ تعاملت مع أموال الناس بعفة شديدة، وأمانة يشهد بها جميع من عمل معك، تعطي ولا تأخذ، كنت بمثابة الوقف المتحرك، تشارك حتى بعد تركك العمل في لجان أنشأتها بنوك أخرى، وحتى إبان عملك في بيت التمويل، كانوا يقولون لك «العقود التي نطورها قد تأخذها بنوك أجنبية وتستعملها» فتجيب «هذا علم، لا يباع ولا يشترى، وإذا كانوا سينشرونه كما هو فلا بأس، ولا يهم أنهم يستفيدون منه، المهم أن يستفيد منه المسلمون في كل مكان».
٭ كنت حريصا على العلماء، لا تغيب عن اجتماعاتهم على مدى 33عاما، وتبذل كل وسيلة لإظهار التقدير لهم، ما زادهم حرصا على العمل معك بالساعات والأيام، وأذكر أن احد تلك الاجتماعات امتد من أول النهار الى غروب الشمس، وما كان ذلك ليحدث لولا ثقتهم بحرصك فبذلوا هم من الوقت والبحث ما أنتج هذا التراث العملي الذي ينظم حياة الملايين من المسلمين في أحد أهم شؤون حياتهم اليومية، بشكل آمن عمليا وموثوق شرعيا.
والدي الحبيب أحمد:
لقد رحلت تاركا خلفك علما ينتفع به الى يوم القيامة، فأبشر خيرا كثيرا، والله أسأل أن يبدلك دارا خيرا من دار الدنيا، ورفقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يسقيك من نهر الكوثر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
[email protected]