Note: English translation is not 100% accurate
«الغلو» في الدين والسياسة متقاربان في «الباعث»
15 نوفمبر 2009
المصدر : الأنباء
بقلم : فيصل الزامل
من أسباب الغلو في الدين ـ وفي السياسة ـ أن يكون الشخص قبل تدينه من أصحاب المعاصي والفواحش التي تؤرق ضميره، لهذا يبحث ويسأل عن أكثر الأعمال تقربا إلى الله عز وجل، فيبالغ فيها ويتجاوز، للقضاء على ذلك الأرق ظنا منه أن المبالغة تؤدي إلى تكفير تلك الذنوب، ما يؤدي إلى سقوط كثير من المغالين في كبائر عظيمة مثل تكفير المسلم واستباحة الدم الحرام، وبالقياس فإنك تجد من بعض المشتغلين في السياسة جنوحا نحو الغلو، وإذا فتشت في تاريخه فستــجده قد ورط بلده في ظروف ســـياسية ســــاعدت على احتلاله، وبقــليل من التتبع والدراسة لتصرفاته المتشنجة تكتشف أن ذلك الغلو قد ساعده في إبعـــاد العيون عن تاريخه الســـابق على أساس «الهجوم خير وســيلة للدفـــاع»، مثلما يفعل المتورط في ممارسات مالــية غير نظيـــفة واستـــغلال نفـــوذ لبلوغ منافع بطرق غير مشروعة، لهذا السبب يفـــتح النار يمينا ويسارا على «اللصوص، السراق» فلا يعقل أن يبحـــث أحـــد في ســجلاته بحثا عن ممارساته واستــغلاله «حنجرته» بطرق ملتوية، فالذي يهاجِم لا يهاجَم، بفتح الجيم الثانية.
هذا الأسلوب له عمر محدد ثم تنتهي صلاحيته، فقد نجح آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف في كشف مافيا المال العام داخل الماكينة السياسية في الحزب، بالتعاون مع محرر نشط في جريدة «البرافدا» سيرجي ديمتريف الذي نشر ملفات تلك العصابة وترابط مواقفها مع صفقات ضخمة وارتباط سري في المصالح بين زمرة داخل وخارج الحزب، ما سهل الطريق على غورباتشوف لإنجـــاح ســياســــته المـــعروفــــة بـ «جلاسنوست» أو الحوار والمراجعة، التي أفضت إلى إعادة النظر في ربط دول كثيرة بروسيا، ما أدى إلى تحول الاتحاد السوفييتي إلى الاتحاد الروسي فقط.
نعم، لقد صدرت «البرافدا» عام 1917، وكانت ركيزة أساسية في بناء الاتحاد السوفييتي، ومع ذلك فهي التي تولت ـ إعلاميا ـ قيادة تعديل مسار الدولة في عام 1991، هذا الدور الفاعل للصحافة تتطلع إليه دول كثيرة في زمان تعتبر فيه الصحافة هي «السلطة الأولى مكرر» وليست الرابعة كما يقال.
كلمة أخيرة: أحداث اليمن هي امتداد لضعف الدولة وانقسامها، مثل ذلك حدث في لبنان وغيرها، ولا توجد دولة خالية من تباينات الرأي وتعدد المذاهب الدينـــية أو السياسية، إلا أن قوة بنية الدولة، وسلامة صحتها من العلل، تمنع من تحويل تباينات الرأي تلك إلى إعصار يحصد الأرواح ويعصف بمسيرة بناء المنشآت العامة، ويزيد من معدلات الفقر.
الحفاظ على هيبة الدولة هو مطلب شرعي منع الدين الإسلامي بموجبه نزع يد من طاعة «.. إلا أن تكون كفرا بواحا عندك فيه من الله برهان» وقال «ليس منا من نزع يدا من طاعة»، ووضع نهجا آمنا للتصحيح «لا يكن نهيك عن منكر يأتي بأنكر منه»، وفرق بين النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وبين النجوى التي تشق الصف وتقطع حبل المودة، وحذر (وفيكم سماعون لهم).
انه فقه عظيم، يسمونه في علم الطب «العلاج بالمناظير، من دون إراقة الدم»، نحتاجه بشدة في دنيا السياسة.