Note: English translation is not 100% accurate
في الذاكرة
زبيدة بنت جعفر.. في طاعة الله
11 يوليو 2014
المصدر : الأنباء
ليلى الشافعي
عندما نسمع أو نقرأ عن سيدات الأسر المالكة أو الثرية فلابد أن يتبادر إلى الأذهان ما ينفقنه من أموال طائلة على ما يحقق لهن متع الدنيا من اقتناء أفخر الثياب وأندر المجوهرات وأغلى العطور وأدوات التجميل وغيرها.ولكن زبيدة بنت جعفر المنصور زوجة هارون الرشيد كانت على العكس من ذلك تماما رغم امتلاكها للمال والجاه، فهي زوجة خليفة وبنت خليفة وأم خليفة. جدها هو الخليفة المنصور وكان يؤثرها بقلبه ويخصها بحبه، وسماها زبيدة لما رأى من بضاضتها ونعومتها، وكانت ذكية، كريمة، نبيلة الخلق، وقد ذكر الرواة أنها بذلت الكثير من أموالها في طاعة الله، فبنت المساجد والمنازل التي ينزل فيها الغرباء، وحفرت الآبار ليشرب منها الذين يعبرون ويمرون من حولها، لأن الحجاح كانوا يحملون الماء معهم، ومن أهم هذه الآبار عين زبيدة التي أصبحت تروي أهل مكة والحجيج، ويحكون أنها أجرت نهرا بين شعاب مكة من العيون.
لقد أنفقت زبيدة في سبيل ذلك جواهرها ومالها، حتى عظم الأمر على خازن المال، وكأنه أراد ان يتوقف، فقالت له كلمتها الخالدة: اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارا، وأصبحت عين زبيدة ذكرى لها وأثرا صالحا تغني دونه الآثار، كما أسست مطاعم للفقراء، وكانت تنفق قرابة المليونين من الدنانير لإطعامهم في الأماكن التي أعدتها لذلك.
ولأنها ـ بحكم وضعها الاجتماعي ـ كان لها الكثير من الجواري الذين بلغ عددهن حوالي مائة جارية، فقد قامت بتحفيظهن القرآن عن ظهر قلب، وجعلت لكل واحدة منهن وردا تقرأه كل يوم، بحيث لا تمضي ساعة إلا وفي بيتها قرآن يتلى، وكان يُسمع في قصرها القرآن كدوي النحل، كما كان لها مجلس علماء تناقشهم في المسائل العلمية، مما يدل على رجاحة عقلها وبعد نظرها، وكانت تقصد بهذه المناقشات نشر العلم وتقدير أهل الفضل.
وخير دليل على سمو أخلاق زبيدة كلمتها التي ذ كرها التاريخ عندما أوصت علي بن عبس حين خرج من عند ولدها الأمين قائدا للجيش لقتال أخيه المأمون وهو ابن ضرتها فقالت يا علي. إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي فإني على عبدالله المأمون متعطفة لما يحدث عليه من مكروه (أذى)، وانما ولي ملكا نافس أخاه في سلطانه.فاعرف لعبدالله حق ولادته وأخوته، ولا تجابهه بالكلام فإنك لست نظيرا له، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد أوغل، ولا تمنع عنه جارية أو خادمة، ولا تعنف عليه في السير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه إذا ركب، إن شُتمت فاحتمل منه.
هذه وصية لقائد الجند الذي خرج لملاقاة عدو ابنها. فما أجمل ما بها من أدب وخلق ومعرفة أقدار الناس وإنزالهم منازلهم، رحم الله زبيدة رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.