من المفاجئ أن القصة التي يرويها «Spencer» هي السيرة الذاتية للأميرة ديانا، ويأتي الفيلم من إخراج بابلو لارين مخرج فيلم «Jackie» والذي تناول السيرة الذاتية لجاكلين كينيدي، فـ «Spencer» يشبه في أسلوبه رواية الكاتب تشارلز ديكنز «A Christmas Carol» أكثر مما يشبه مسلسل «The Crown» الشهير الذي تناول قصة حياة أميرة القلوب ديانا.
فبعد كل شيء، تأتي هذه الدراما النفسية من بطولة كريستين ستيوارت بدور «الأميرة ديانا» والذي يعد الأفضل لها من حيث الأداء في مسيرتها المهنية، وتتمحور القصة حول نسيان الماضي والسير قدما نحو المستقبل، لكن يبدو أن هذه مهمة مستحيلة في عائلة «ويندسور»، حيث يتم تقدير التقاليد الملكية ووضعها فوق كل شيء آخر، وينجح «Spencer» في تصوير ذلك من خلال شخصية «ديانا»، متجاوزا مكانتها كأيقونة، ويتعمق بالمرأة التي كافحت في هذه البيئة الخانقة.
في هذا المناخ الصارم نلتقي لأول مرة بأميرة ويلز «ديانا»، التي تأخرت عن موعد عطلة نهاية أسبوع عيد الميلاد في أحد العقارات العديدة التابعة للعائلة المالكة، والتي تصادف أنها تقع بجوار منزل طفولتها، يصور المخرج «ديانا» في هذا المشهد الافتتاحي للفيلم بسياق مختلف عن باقي الشخصيات، ففي حين كان وصول الضيوف إلى المكان منهجيا ومتناسقا وبتوقيت دقيق، تأتي «ديانا» بدون حراسة أو سائق، بل تقود وحدها في الريف، وتتوقف عند مطعم تسأل عن الاتجاهات، وفي الخلفية تصدح موسيقى جوني غرينوود القوية التي تجمع بين الفن الباروكي وأنغام الجاز، مما يخلق مزيجا متنافرا من الإيقاعات والضوضاء.
من اللحظة التي تطأ فيها قدما «ديانا» داخل قصر ساندرينجهام، يقوم كل من المخرج لارين والمصورة السينمائية كارول بفصلها عن بقية الشخصيات، وبالتالي استطاع هذا العمل إظهار مدى تمردها على تلك التقاليد الملكية البالية، مظهرا بشكل رائع ما لم يستطع أحد منا مشاهدته عبر قنوات الأخبار، ومعها الشخصان الآخران القادران على إدراك سخافة هذه التقاليد وهما ابناها اللذان يسألان «لماذا يجب عليهما فتح هدايا عيد الميلاد قبل يوم من الأطفال العاديين؟»، أو «لماذا لا تتم التدفئة داخل المنزل مطلقا؟».
حتى من الناحية البصرية، تم وضع «ديانا» في عالم منفصل عن بقية أفراد العائلة المالكة، حيث تبدو مشاهدها فوضوية ومحمومة مثل المرأة التي تقف خلف اللقب، فيتم استخدام كاميرات محمولة تدور حولها وتهتز هذه الكاميرات مع كل حركة لها، وعندما تكون «ديانا» في المشهد تظل الكاميرا مثبتة على وجهها باستخدام لقطات بزاوية متوسطة تبرز رهاب الأماكن المغلقة لوجودها بمفردها في مثل هذه القاعات الكبيرة.
تقدم ستيوارت أداء مبهرا وغير متوقع بدور «ديانا سبنسر»، فتمنحها أحد أفضل أداء قدمته في مسيرتها، فتتمكن من التقاط سلوكيات أميرة القلوب بشكل مثالي، وفي نفس الوقت تقوم بتكييفها لتضع لمستها الخاصة على الشخصية، فهي تنتقل من امرأة سعيدة تجد الفرح في الأشياء الصغيرة، مثل لعبها مع طفليها ألعابا بسيطة بعد منتصف الليل، إلى كونها تطاردها أشباح ماضيها والسخرية من حاضرها.
تصور ستيوارت بشكل مؤثر دور امرأة تعاني من اضطراب في الأكل، ومحبطة من قلة التعاطف والتفهم ممن حولها، وفي نفس الوقت لا تخشى من تقديم أداء مسرحي درامي لهذا الدور، مثلما عندما تتخيل نفسها تأكل عقد اللؤلؤ الذي أرغمت على ارتدائه أو تصرخ على إحدى موظفات المنزل بأنها قد تفعل أي شيء لإبعادها.
يستمر المخرج لارين بالتفوق في العثور على الجانب الإنساني داخل الأميرة «ديانا»، مع فيلم سيرة ذاتية آخر يرفض الالتزام بالصيغ والتقاليد المعروفة، ويلعب بدلا من ذلك بالحقيقة والخيال، ومن ناحية تسمية العمل بـ «Spencer»، فإنه عنوان بحد ذاته يجب أن يكون كافيا لمعرفة كل شيء نحتاج اليه حول نهجه تجاه موضوعه، فقصته ليست القصة التي نعرفها عن «ديانا» أميرة ويلز، أيقونة الموضة والمناهضة للمؤسسة الملكية، ولكنها قصة «ديانا سبنسر»، أم لطفلين، المرأة التي تفرح بالأشياء البسيطة وتحب المرح وتعارض حماتها الرهيبة وزوجها الذي لا يطاق.
لحسن الحظ، ليس علينا رؤية الكثير من أفراد الأسرة المالكة في هذا الفيلم، ولا ينبغي أن يتوقع عشاق مسلسل «The Crown» الذي يستكشف العائلة المالكة بشكل أكثر شمولا أن يجد ما يبحث عنه في «Spencer»، حيث اننا لا نرى معظم أفراد العائلة على الإطلاق، وحدهما تشالز والملكة حصلا على جمل قليلة من الحوار، وهما يختفيان بالسرعة التي يتم تقديمهما بها.
وباستثناء البطلة ستيوارت، فإن الشخصيات الثلاثة التي تم تمثيلها من قبل نجوم كبار هم أعضاء من طاقم المنزل، فهناك تيموثي سبال الذي يلعب دور كبير الخدم المهووس بالحفاظ على كل شيء وفقا للعادات والتقاليد، مما يعني أنه يتصادم باستمرار مع «ديانا»، وشون هاريس بدور رئيس الطهاة الذي يحاول إقناع الأميرة بالامتثال لجميع القواعد ولكن بطريقة ألطف، مذكرا إياها بأن الأمر سينتهي قريبا، ومن المقرر عرض هذا الفيلم على شاشات «سينسكيب» اليوم الخميس 4 الجاري، نتمنى لكم مشاهدة ممتعة.