بيروت - ناجي شربل وأحمد عزالدين
يوم مشتعل على جبهة جنوب لبنان تخللته غارات إسرائيلية مكثفة وقصف مدفعي، قابلها إطلاق حزب الله صواريخ تجاوز عددها 100 نحو أهداف غير مسبوقة في المواجهة القائمة منذ أقل من سنة، بعد ضربتين قاسيتين وجهتهما إسرائيل إليه الأسبوع الماضي، بالتفجيرات لأجهزة الاتصالات اللاسلكية التي أوقعت ضحايا وأخرجت المئات من صفوفه عن الخدمة، إضافة إلى الغارة على الضاحية الجنوبية التي قضت فيها إسرائيل على قائد «قوة الرضوان» إبراهيم عقيل و14 من معاونيه، وأوقعت حصيلة كبرى من الضحايا في المبنى والمباني المجاورة قرب مجمع القائم.
وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة اللبنانية تحديث أمس لحصيلة الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت الجمعة، وفيه ان عدد الشهداء ارتفع إلى 50 شخصا.
وفيما تواصلت أعمال رفع الأنقاض لليوم الثالث على التوالي أمس، تم التنسيق مع الأجهزة الأمنية المختصة وباشرت الأدلة الجنائية في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أخذ عينات من جثامين ضحايا في المستشفيات لم تحدد هويتهم، لإجراء فحوص الحمض النووي DNA وتحديد هويات أصحابها.
في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف قاعدة ومطار رامات ديفيد (مرتين) بعشرات من الصواريخ من نوع فادي 1 وفادي 2.
ولا شك في ان التصعيد الإسرائيلي فرض معادلة جديدة قضت بتوسيع منطقة العمليات. وكان ليل أمس الأول الأعنف منذ بدء الحرب قبل نحو سنة، ففي حين شن الطيران الحربي الإسرائيلي أكثر من 300 غارة على مناطق مختلفة من الجنوب، اعترف الجيش الإسرائيلي باستهدافه 180 هدفا لـ «حزب الله». في المقابل رد «الحزب» بصواريخ بعضها من العيار الثقيل، وتجاوز للمرة الأولى مدينة حيفا، تطبيقا لمعادلة حيفا مقابل الضاحية الجنوبية.
وأقرت إسرائيل بتغيير مساحة منطقة العمليات، إذ وقع وزير الدفاع يوآف غالانت بعد اجتماعه مع القياديين العسكريين، قرارا جديدا يتعلق بوضع الجبهة الجديد من حيفا حتى الحدود اللبنانية، بعدما كانت عمليات الحزب محصورة بعمق يتراوح بين 5 و7 كيلومترات جنوب الحدود اللبنانية.
وقال مصدر متابع لـ «الأنباء»: «يهدف التصعيد إلى محاولة التوصل إلى تسوية تعيد الهدوء إلى الحدود، على رغم ان فرص الحل ليس بالأمر السهل في ظل الوضع الحالي في غزة، بغياب أي أفق وانقطاع الاتصالات لمسعى وقف إطلاق النار».
وأضاف المصدر: «التصعيد هو المدخل للبحث الجدي في أي حل، مع التذكير بالمفاوضات الصعبة التي جرت خلال حرب يوليو 2006، حيث حمل الموفد الأميركي بعد 4 أسابيع من القتال صيغة اتفاق اصبح فيما بعد القرار 1701، بعد موافقه مجلس الأمن عليه. وقد رفض حزب الله يومذاك الصيغة، وكانت المفاوضات تتم عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري. وغاب الموفد الأميركي أسبوعا استخدمت فيه إسرائيل كل أنواع القذائف والتدمير بحيث تجاوز حجم الدمار الذي أحدثته الغارات في أسبوع، ما دمر خلال الأسابيع الـ 4، ليعود بعدها الموفد الأميركي حاملا المشروع عينه مع تغيير في ترتيب البنود بتقديم بند على آخر. وبعدما أمعن الرئيس بري النظر إلى المشروع التفت إلى المفاوض الأميركي وقال له عبارته الشهيرة: انت مزين بارع لقرار بشع. وقبل لبنان بالمشروع فأقره مجلس الأمن في اليوم التالي وحدد موعد وقف العمليات العسكرية (دون اعتماد عبارة وقف إطلاق النار)».
وخلص المصدر إلى القول: «هل تتكرر التجربة اليوم؟ ويكون هذا التصعيد وتوسيع رقعة العمليات مقدمة لإيجاد تسوية معينة، لأن استمرار التصعيد من دون اتفاق سيؤدي بالتالي إلى توسيع الحرب. اما تبدل المواقف فقد يفرض استقرارا مؤقتا على الحدود، أو يعيد تحريك مهمة الموفد الأميركي آموس هوكشتاين مجددا للعمل على الصيغة التي كان ناقشها مع رئيس المجلس، ووضعها في حقيبته في انتظار انتهاء حرب الإسناد التي ربطت بوقف إطلاق النار في غزة».
حماوة الميدان جنوبا لم تحجب التحضيرات لزيارة المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان، في محاولة جديدة أكثر جدية هذه المرة للدفع بملف الاستحقاق الرئاسي نحو القاعة العامة لمجلس النواب، تمهيدا لخروج الدخان الأبيض بانتخاب رئيس. ونقل زوار عين التينة عن الرئيس نبيه بري، الإشارة إلى تسهيلات كبيرة قدمها رئيس مجلس النواب سعيا إلى إتمام الاستحقاق المتعثر إنجازه منذ 31 أكتوبر 2022.
وفي معلومات خاصة بـ «الأنباء» ان جلسة مشاورات قصيرة قد تعقد بين مكونات قادرين على تأمين النصاب القانوني لجلسة انتخاب الرئيس والبالغ 86 نائبا، وبعدها يتم التوجه إلى القاعة العامة للمجلس النيابي لانتخاب الرئيس. وهذا طرح متجدد من رئيس المجلس، علما ان الأخير دعا إلى انتظار تجاوز هذه الفترة الحرجة في الحرب مع إسرائيل، والتي كان يعمل فيها على خط مواز مع المبعوث الرئاسي الأميركي هوكشتاين، قبل انقلاب حكومة بنيامين نتنياهو على ما تم التوصل إليه سابقا من تقدم في المباحثات، وتاليا مغادرة هوكشتاين إسرائيل بعد إخفاق في زيارته الأخيرة إلى إسرائيل، ومبادرة الإسرائيليين إلى تفجيرات أجهزة الاتصال اللاسلكي التابعة لـ «حزب الله»، ثم تنفيذ عملية الاغتيال الكبرى في الضاحية.
البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي قال في عظة الأحد الأسبوعية من المقر الصيفي للصرح البطريركي في الديمان قوله: «لبنان في حزن شديد لما أوقعت إسرائيل من ضحايا لبنانية مدنية وحزبية وقيادية في صفوف حزب الله أيام الثلاثاء والأربعاء والجمعة، في ضربات غير مسبوقة خالية من الإنسانية، ومتعدية كل حدود المشاعر البشرية. وقد أوقعت عشرات القتلى وآلاف الجرحى ومنهم حاملون إعاقة جسدية دائمة. فإنا نقدر المستوى الطبي في المستشفيات التي فتحت أبوابها، وأوقفت كل إمكاناتها للمعالجة. هذا فضلا عن ضحايا جنوب لبنان ودمار المنازل وتهجير المواطنين. إننا نوجه النداء إلى مجلس الأمن لوضع حد لهذه الحرب بالسبل المتاحة. فإذا ترك المتحاربون، يفنون بعضهم بعضا قتلا وتدميرا وتهجيرا فلابد من فرض إيقاف الحرب والدعوة إلى مفاوضات السلام، فالسلام هو صنيع العدالة».