تحتفل الأمم المتحدة في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام بذكرى عزيزة علينا نحن العرب والمسلمين، ففي هذا اليوم من عام 1973 تم اعتماد اللغة العربية كإحدى اللغات الرسمية الست في الأمم المتحدة اللغات الانجليزية والعربية والفرنسية والصينية والروسية والإسبانية وبهذه الذكرى العزيزة نهدي الى لغتنا الجميلة قصة بداية معهد علمي كبير كانت له مساهمات جليلة في الحفاظ على لغتنا وهو «دار العلوم» صرح العربية الأكبر ومعقل العلم والعلماء ومحضن النوابغ والنجباء حراس اللغة بكل ما تحمله كلمة اللغة من معنى الحفاظ على الهوية واستقلالية الشخصية والحفاظ على التراث العربي والإسلامي ذلك المعهد العلمي العريق الذي قال عنه الإمام محمد عبده يوما ما «إن اللغة العربية تموت في كل مكان وتحيا في هذا المكان».
بدأت دار العلوم على يد مؤسسها الأول علي باشا مبارك الذي يعد بحق «أبوالتعليم» عام 1871 كمنتدى ثقافي يختلف إليه المتطلعون الى الثقافة المدنية الممزوجة بعبير أصالة التراث العربي وهذا هو عين ما كان يسعى إليه مؤسسها علي مبارك، فبعدما وصل التعليم الأزهري إلى مرحلة من الجمود لدرجة جعلت كتبه المتوارثة من عهد المماليك والعثمانيين تستغلق على الفهم وبعدما شهده عصر محمد علي من نهضة تعليمية حاول خلالها أن يصلح الأزهر ويطور علومه ولكن حلمه اصطدم بصخرة المشايخ المحافظين من سدنة التقليد والذين كانت لهم اليد الطولى في السيطرة على الجماهير فأحجم عن منازلتهم وأنشأ المدارس المدنية الحديثة فحدث بذلك نوع من الازدواجية في التعليم حيث كانت هذه المدارس الحديثة تتزامن مع التعليم الأزهري التراثي، وعندما تولى علي مبارك نظارة المعارف أراد أن ينشئ منتدى يجمع بين التعليم المدني الحديث والتعليم التراثي الأزهري.
من هنا ولدت فكرة إنشاء منتدى ثقافي واتخذ له مكانا يسمى الانغتياتر أو المدرج وكان يختلف إليه كبار رجال الدولة في ذلك الوقت وعلى رأسهم علي باشا مبارك ناظر التعليم في ذلك الوقت.
واتخذ هذا المنتدى من كبار علماء عصره أساتذة يلقون فيه المحاضرات على أسماع المرتادين من بينهم الشيخ حسين المرصفي في تدريس الأدب العربي، وفي الفلك اسماعيل باشا ناظر المهندسخانة، وفي الطبيعيات (نظري وعملي) المسيو بيكيت (المدرس بمدرسة المهندسخانة)، وفي الفقه على المذهب الحنفي الشيخ عبدالرحمن البحراوي، وفي الحديث والتفسير الشيخ احمد شرف الدين المرصفي
وفي علم النبات احمد بك ندى، وفي التاريخ العام مسيو هنري بروكش،
وفي علم الرياضيات المسيو فيدال، وكانت المحاضرات لهما تلقى بالفرنسية مع ترجمة فورية بالعربية.
كان هؤلاء ابرز علماء عصرهم ويكفي أن نعلم ان اليابان وهي تتلمس خطى طريقها الحضاري في ذلك الوقت كانت تطلب وبإلحاح أن يحضر اليها المسيو فيدال عالم الرياضيات الفرنسي الشهير الذي ألح علي مبارك على الخديو لاستقدامه لتدريس مادة الرياضيات بدار العلوم.
وشيئا فشيئا يكبر هذا المنتدى الوليد ففي عام 1872 يفتتح بدار العلوم قسم لتخريج مدرسي اللغتين العربية والتركية ويختار لهذا القسم 50 من نجباء الأزهر ويقرر لكل منهم 100 قرش شهريا.
وفي 1888 تبلغ «دار العلوم» طورا اكبر من أطوارها العلمية فلا يقتصر خريجوها النوابغ على التدريس فحسب بل يعدون لتولي وظائف القضاء والإفتاء والعمل بالمحاكم الشرعية.
هكذا بدأت دار العلوم كما أراد لها مؤسسها كجامعة علمية قائمة بذاتها تجمع بين شتى العلوم الحديثة والعلوم التراثية.